يقول رب العزة: {أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} (الفرقان:44،43)، ويقول تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ

كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (البقرة:171).

 

ويقول تعالى فيما يقرُّ به الكفار ويعترفون يوم القيامة: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (الملك:10).

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده، وبعد:

لقد أنعم الله علينا بنعم لا يحصيها عدُّ، ومنحنا من الخيرات ما لا يحده حد، وتأتى نعمة العقل فى قمة هذه النعم؛ فلولا العقل لاختلت أمورنا، واضطربت أحوالنا، وتعاطينا من الأفعال والتصرفات ما تستقبحه النفوس، وتزدريه العقول.

يقول الإمام أبو الحسن البصرى فى كتابه "أدب الدنيا والدين": "اعلم أن لكل فضيلة ُأسَّا، ولكل أدب ينبوعاً، وأُسُّ الفضائل وينبوع الآداب هو العقل، الذى جعله الله تعالى للدين أصلاً، وللدنيا عمادًا، فأوجب التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبَّرة بأحكامه".

ويقول الشاعر:

وأفضل قسم الله للمرء عقلُهُ *** فليس من الأشياء شىء يقارِبه

إذا أكمل الرحمن للمرء عقلَه *** فقد كملت أخلاقُه ومآربه

ومما أثر عن نبى الله سليمان عليه السلام قوله: "ما ارتدى العبد رداء أفضل وأجمل من رداء العقل؛ إن انكسر جبره، وإن ذلَّ أعزه، وأن اعوج أقامه، وإن عثر رفعه، وإن افتقر أغناه، وإن انكشف ستره".

ولئن كانت للعقل وظائفه التى ترقى به إلى هذا المستوى فإن أهم وظائفه وأعلاها قدراً أن يستدل الإنسان به على خالقه، ويلتزم بما يأمره به، وينتهى عما ينهاه عنه. سُئِلَ أحد الحكماء: أى منافع العقل أعظم؟ قال: اجتناب الذنوب.

وسئل آخر عن العقل، متى يعرف؟ قال: إذا نهاك عقلك عما لا ينبغى فأنت عاقل.

وفى ضوء هذا المعنى نجد أن لفظ العقل ومشتقاته ورد فى القرآن الكريم 49 مرة، ولم يرد الله فى أىٍّ منها العقل بمعناه المادى أو الحسى، وإنما أراد به ما يدل صاحبه على الهدى، ويرده عن الردى؛ وفيما يلى بعض الأمثلة:

يقول رب العزة: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ} (العنكبوت:43).

وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (النحل:12) وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (الروم:24).

وقد يستعمل القرآن الكريم لفظه (اللب) ومعناها: ما ذكا من العقل، ويستخدمها للدلالة على نفس المعنى كقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ} (آل عمران:190) إلى غير ذلك من الآيات الكريمات، التى تعلمنا أن العقلاء حقاً هم الذين عرفوا ربهم، وسلكوا سبيله، واهتدوا بهديه، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته.

يقول أحد الصالحين: "ما كسب أحد شيئاً أفضل من عقل يهديه إلى هدى، أو يرده عن ردى"؛ فى الوقت نفسه ينعى القرآن الكريم على من عطلوا عقولهم عن تلك الوظيفة، وانطلقوا يهيمون فى هذه الدنيا بلا هداية ربانية، أو توجيهات إلهية، فينفى عنهم العقل، وينزل بهم عن رتبة الآدميين وفيما يلى بعض الأمثلة:

يقول رب العزة: {أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} (الفرقان:44،43).

ويقول تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (البقرة:171).

ويقول تعالى فيما يقرُّ به الكفار ويعترفون يوم القيامة: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (الملك:10).. إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.

وقد استنبط سلف الأمة الصالح من هذه الإشارات القرآنية الدلالة الحقيقية للعقل والجنون، فلم ينظروا إلى الجانب العقلى إلا من زاوية التكليف من عدمه، فمن وهبه الله العقل والتمييز فهو مكلف شرعاً، ومحاسب على ما يقوم به، فإن ابتلى بفقدان العقل والتمييز فقد رفع القلم عنه.

فإذا وهب الله الإنسان عقلاً مميزاً، ثم سار فى طريق الضلال، وسلك سبيل الغواية، فهذا فى ضوء ما ذكرنا من أدلة، وفى نظر السلف الصالح- هو المجنون حقاً، وإن غاص تحت الماء، وطار فى الهواء واخترع وابتكر.

سئل الإمام سفيان الثورى رضى الله عنه: من المجنون؟ قال: من لم يميز رشده من غيه.

وسئل خلف بن أيوب عن المجنون. فقال: من عمل لدنياه، ووافق هواه، وآثر على ربه سواه. ومرّ صلة بن أشيم بقوم قد اجتمعوا على رجل مقيد. فقال: من هذا؟ قالوا: مجنون. فقال: لا تقولوا مثل هذا، وإنما المجنون مثلى ومثلكم، يعمِّر الدنيا، ويخرِّب الآخرة.

وقيل لأحد السلف: من المجنون؟ قال: من لم يبال ما نقص من دينه بعد أن سلمت له دنياه، ومن خرَّب آخرته بإصلاحه لدنيا غيره.

إن الله تبارك وتعالى فى كتابه الكريم يقول: {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} (الأنعام:125) ، فالرجس، ومعناه- كما قال الزجاج- اللعنة فى الدنيا والآخرة، هو الجزاء الذى يجعله الله لمن آثر الكفر على الإيمان.

وهذا الجزاء نفسه- أى الرجس- جعله الله تعالى عقوبة لمن عطلوا عقولهم عن وظيفتها، وساروا بها على غير هدى.

يقول رب العزة: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} (يونس:100).

وبالنظر فى مجموع الآيتين معا يتضح لنا أن الذين لا يؤمنون هم الذين لا يعقلون، وأن اللعنة فى الدنيا والآخرة هى العقوبة المقررة لمن ألغى عقله ووافق هواه، وآثر على ربه سواه.

فليحرص المرء على استثمار عقله فيما يعود عليه بالنفع العاجل فى الدنيا والآجل فى الآخرة، وليحذر أن يسوقه هواه إلى مخالفة مولاه، فالكيِّس (أى العاقل) من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأمانى.

 

بقلم الأستاذ الدكتور: طلعت عفيفى

الوكيل العلمى للجمعية الشرعية