Tue09022014

أخر التحديثات11:37:01 AM GMT

Backمجلة التبيان - العدد 33 قاعدة الضرر يزال "تأصيل وتطبيق"

قاعدة الضرر يزال "تأصيل وتطبيق"

كانت الشريعة الإسلامية ولا تزال صالحة لكل زمان ومكان، مستوعبة لكل الطوارئ والنوازل، حاكمة لكل الأقوال والأفعال، لاتّصاف الشريعة بصفتى الشمول واليسر، وابتنائها على دفع المضار وتقليلها، وجلب المنافع وتعظيمها، ولقد نتج عن ذلك القطع بقصدها إلى إصلاح البشرية فى أحوالهم الطبيعية والاستثنائية؛ ولذلك كانت المصلحة تحط رحالها حيث وجد شرع الله تعالى عملاً بالقاعدة المشهورة: "حيثما وجد شرع الله فثم المصلحة".

ومن هنا كانت الحاجة ملحة إلى طرح قاعدة "الضرر يزال" أمام المتغيرات فى العلاقة بين الأفراد والمجتمعات والدول،- وبدلاً من أن تستخدم نظريات بشرية محدودة التطبيق زمانا ومكانا، كنظرية "الظروف الاستثنائية" أو نظرية "الظروف الطارئة" فى الفقه القانونى- نجد أن القاعدة التى نحن بصددها تتسم بالشمول فلا يحدها زمان ولا يعوقها مكان، وبخاصة أمام الوقائع المتجددة التى لا تتناهى. فما المقصود بهذه القاعدة؟ وما أدلتها؟ وما مجالات تطبيقها؟

أولا: معنى القاعدة والمقصود بها:

إن هذه القاعدة من القواعد المهمة فى الفقه الإسلامى، إذ يُبنى عليها كثير من أبواب الفقه. "انظر الأشباه والنظائر للسيوطى ص112" فإن الأحكام إما لجلب مصلحة أو لدفع مضرة، وهى ترجع إلى تحصيل المقاصد وتقديرها بدفع المفاسد أو تخفيفها. ومعناها يتكون من معانى مفرداتها الضرر والإزالة.

1- الضرر فى اللغة: مأخوذ من ضرَّ وهو يرجع فى أصل اللغة إلى ثلاثة معان وهى: خلاف النفع، واجتماع الشىء، والقوة. فمن الأول الضر بمعنى الهزل، والضَرَّة والضرير الذى به ضرر فى عينيه ومن الثانى: (اجتماع الشىء) شاة ضرّة أى ذات لبن، وضرّة الإبهام أى اللحم المجتمع تحتها. ومن الثالث: (القوة) الضرير وهو قوى النفس، فيقال: فلان ذو ضرير على الشىء إذا كان ذا صبر ومقاساة. انظر "معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/360"، المصباح المنير للفيومى 492، والمفردات للراغب الأصفهانى 293". أما الضرَّر فى الاصطلاح فهو: "الإخلال بمصلحة مشروعة للنفس أو الغير تعدياً أو تعسفا أو إهمالاً". "الضرر فى الفقه الإسلامى لأحمد الموافى 1/97".

فالمصلحة هى محل وقوع الضرر وهى: "المنفعة التى قصدها الشارع الحكيم من عبارة حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها". "ضوابط المصلحة للبوطى ص 27".

2- الإزالة: مأخوذة من زول، فيقال: زال يزول زوالاً. وهى ترجع فى أصل اللغة إلى تنحى الشىء عن مكانه ومنه زالت الشمس عن كبد السماء. وتعنى أيضاً: الدفع وهو فى اللغة يدل على تنحية الشيء من مكانه، (انظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس 2/288).

أما تعريفها فى الإصطلاح فهى: التنحية والإذهاب. (انظر معجم لغة الفقهاء لقلعجى وقنيبى ص 56). ومن ثم لا فرق بين التعريفين فى اللغة والإصطلاح وهو ما جعل صاحب المغرب فى ترتيب المعرب "المطرزى" يقول: "الإزالة: الدفع، والدفع معروف" ص 166.

والمعنى الإجمالى للقاعدة: أنها من جوامع الأحكام، وهى أساس لمنع الفعل الضار عن النفس والغير. وهى توجب رفع الضرر قبل وقوعه وبعده؛ لأن الوقاية خير من العلاج، فإذا وقع فقد وجبت إزالته وترميم آثاره.

ثانيا: تأصيل هذه القاعدة:

هذه القاعدة تستند إلى نصوص كثيرة من القرآن والسنة وآثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين، كما تستند إلى مصدر الإجماع.

أ- أدلتها من القرآن: منها نصوص تدل على النهى عن الضرر والمضارة: كقوله تعالي: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا) (البقرة: 231)، ومنها قوله تعالى: (لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) (البقرة: 233) وقوله تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) (الأعراف: 56) فهذه الآيات تدل على أن كل ما يضر الإنسان والحيوان والنبات والأموال هو من قبيل الفساد فى الأرض الذى يوجب سخط الله وعقابه، كما يوجب اتخاذ التدابير الزاجرة لمنعه وإزالة ما يترتب عليه من آثار.

ومن آيات القرآن ما يدل على إزالة الضرر، منها قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) (الأنبياء:78، 79) ففى الآيتين ذكر لحادثة فِعل ضار، وكان رأى سليمان عليه السلام هو الصواب والعدل الذى يحقق التعادل بين الضرر والعوض، وفى القصة دلالة على إزالة الضرر وترميم الآثار الناجمة عن الضرر.

ب- الأدلة من السنة: وردت نصوص تنفى الضرر والضرار وتوجب إزالته وجبر آثاره- منها: ما رواه مالك وأحمد وابن ماجه والدارقطنى عن أبى سعيد الخدرى وابن عباس وعبادة بن الصامت رضى الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار" "قال الألبانى بكثرة طرقه ارتقى إلى درجة الصحيح" ودلالة الحديث عدم جواز إلحاق الضرر والضرار بالغير. فالضرر إلحاق مفسدة بالغير مطلقا، والضرار: إلحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة. "انظر لسان العرب لابن منظور 2/525".

ومن السنة أيضاً: قوله: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" "سنن الترمذى- كتاب البر والصلة-4/325 وقال عنه حسن غريب" ودلالة الحديث: عدم إلحاق الضرر بالغير.

ومن السنة أيضاً: ما روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "من تطبب ولم يكن بالطب معروفاً، فأصاب نفساً فما دونها فهو ضامن" أخرجه الدارقطنى وصححه الحاكم "سبل السلام للصنعانى 3/205". فالحديث يدل على تضمين المتطبب ما أتلفه من نفس فما دونها سواء أصاب بالسراية أم بالمباشرة، سواء كان عمداً أو خطأ. ذلك لأن المتطبب من ليس له خبرة بالعلاج. انظر "سبل السلام 3/250" والظاهر من هذه الأدلة أنها أتت بألفاظ مُخْتَلفَة ولكن جمعها معنى واحد شبيه هو دفع الضرر وإزالة الضرار.

ج- أدلتها من الآثار كثيرة أيضا: منها: ما أخرجه البخارى فى صحيحه فى كتاب الديات بسنده عن على رضى الله عنه أن رجلين جاءا إليه ليشهدا على رجل بالسرقة فقطعه على رضى الله عنه، ثم أتياه بآخر فقالا هذا الذى سرق واعترفوا بالخطأ فى الأول. فلم يجز شهادتهما على الآخر، وأغرمهما الدية للأول وقال: "لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما" "صحيح البخارى 8/42" ودلالة الأثر: أن خطأ الشهود فى شهادتهم يعتبر تسبباً فى الضرر ويوجب الضمان. "انظر الفعل الضار والضمان فيه لمصطفى أحمد الزرقا ص 40".

ومن الآثار أيضاً: ما روى عن معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه: "أنه حين أتى بمجنون قتل رجلاً إلى القاضى، فكتب إليه معاوية أن اعقله، ولا تُقد منه، فإنه ليس على مجنون قود". "الموطأ مع تنوير الحوالك للسيوطى 2/182". ودلالة الأثر: أن المجنون مسؤول عن القتل فى ماله إذا صدر منه فعل ضار.

ومن الآثار ما فعله على رضى الله عنه من تضمين الغسال والصباغ. وقال: "لا يصلح الناس إلا بذلك" انظر "الدراية فى تخريج أحاديث الهداية لابن حجر العسقلانى 2/190" وللحديث طرق يقوى بعضها بعضا. وانظر "مصنف ابن أبى شيبة 4/360" وهذا استحسان على خلاف القواعد القياسية؛ لأن هؤلاء أُجَرَاء، والأجير لا يضمن إلا بالتعدى على الأمانة أو التقصير فى حفظها. انظر "الفعل الضار للزرقا ص 52".

د- الإجماع: فلقد أجمع العلماء على تحريم أكل أموال الناس بالباطل، وعلى تحريم الدماء إلا بحقها، كما أجمعوا على تحريم الأعراض، وقد قررت الشريعة حفظ هذه الضرورات وقررت من الأحكام ما يرتب المسئولية على المعتدى عليها ويلزمه بترميم الآثار الناتجة من اعتدائه، وهذا ما قرره العلماء ومنهم ابن قدامة والشاطبى حيث قال فى حديث "لا ضرر ولا ضرار": "إنه داخل تحت أصل قطعى فى هذا المعنى، فإن الضرر والضرار مثبوت منعه فى الشريعة فى وقائع جزئيات وقواعد كليات.. ومنه النهى عن التعدى على النفوس والأموال والأعراض وعن الغصب والظلم وكل ما هو فى المعنى إضرار أو ضرر، ويدخل تحته الجناية على النفس أو العقل أو النسل أو المال فهو معنى فى غاية العموم لا مراء فيه ولا شك". "الموافقات للشاطبى 3/16، 17".

ولكن السؤال الذى يطرح نفسه: متى يجب إعمال هذه القاعدة؟ وهل هناك ضوابط لإنزالها على أفعال العباد؟ وهل هناك فرق بين التعسف والضرر؟ وهل يقتصر تطبيقها على العلاقات الفردية أم أن تطبيقها عام فى علاقة الجار بجاره وعلاقة الأفراد بدولتهم المتمثلة فى نزع ملكياتهم وتقييد حرياتهم فى الرأى والحركة والاتجار والإنتاج بحجة منع الضرر العام؟ هذا ما نتعرف عليه فى عدد قادم إن شاء الله تعالى.

 

بقلم: د. محمد عبد رب النبى

عضو هيئة علماء الجمعية

قاعدة الضرر يزال
التعليقات (0)add comment

أضف تعليق
bolditalicizeunderlinestrikeurlimagequote smilewinklaughgrinangrysadshockedcooltonguekisscry
تصغير | تكبير

busy