المسلمون وشهر رمضان‮.. ‬سـلوكـا وإحياء

المسلمون وشهر رمضان‮.. ‬سـلوكـا وإحياء

ما أن يبزع فى الأفق هلال شهر شعبان إلا وترى المسلمين فى كل مكان يستعدون لقدوم شهر رمضان وكل يوم يمر من شعبان يقربهم من ذلك الشهر العظيم فيزدادون فرحا وسرورا وشوقا إلى الشهر الكريم، ترى الكثيرين من المسلمين vtيستعدون لرمضان بكل ألوان الأطعمة وأنواع المكسرات وأنواع المشهيات. ويخزنون الكثير والكثير لتناوله فى شهر رمضان المبارك.

أقول: هذا بعض ما يحدث من الاستعداد المادى لشهر الصيام، والإسلام لا يمنع أتباعه من ذلك فلقد أحل الله تعالى لعباده الطيبات وحرم عليهم الخبائث وأباح لهم ألوان الأطعمة والأشربة فى رمضان وفي غير رمضان، إلا ما حرمه وبينه فى كتابه الكريم وعلى لسان سيد المرسلين سيدنا محمد الأمين ﷺ.

قال تعالى: ﴿قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِن الرِّزْقِ قُل هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الأعراف: ٢٣).

والحرام فى ذلك التبذير والإسراف والمبالغة الممقوتة فى تناول الأشياء، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ١٣)، وقال ﷺ: «كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة» يعنى إسرافًا وتكبرًا، وقال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّر تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُم ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَهُم قَوْلاً مَيْسُوراً وَلا تَجْعَل يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ (الإسراء: ٦٢-٩٢)، هذا بالنسبة للاستعداد المادى لشهر الصيام.

ولكنّ هناك استعدادًا آخر وهو الذى يجب أن يهتم به المسلم، ألا وهو الاستعداد الروحى لاستقبال الشهر العظيم، الاستعداد للطاعة والعبادة والقرب من الله تعالي، الاستعداد لمحاربة النفس والانتصار عليها بالبعد عن المعاصى والآثام.

إن رسول الله ﷺ كان يدعو الله تعالى أن يطيل فى عمره حتى يصل إلى ذلك الشهر، شهر رمضان، شهر العبادة، شهر التوبة، شهر المغفرة.. وكان ﷺ يدعو الله تعالى أن يبارك له ولأمته فى شعبان.

وهذا لون من الاستعداد الروحى لشهر رمضان، فقد كان ﷺ إذا دخل شعبان يدعو ويقول: «اللهم بارك لنا فى شعبان وبلغنا رمضان».. ومن الاستعداد الروحى أيضا لشهر رمضان ما كان ﷺ يقوم به من الإكثار من الصيام فى شهر شعبان تهييئا وترويضا للنفس على الصيام، تقول أم المؤمنين السيد عائشة رضى الله عنها: «ما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا قط إلا رمضان»، وكان أكثر ما يصوم فى شعبان، فلما سئلت عن هذا قالت ما قاله النبي ﷺ: هذا شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان. وكان ﷺ يهنئ أصحابه فيخطب فيهم فى آخر ليلة من شعبان مبينا لهم وللأمة كلها فضل شهر رمضان وأنه شهر عظيم مبارك فيه ليلة خير من ألف شهر، ويدعو أمته إلى إفطار الصائمين خاصة المحتاجين، ويبين أن لهم مثل أجر الصائمين من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء.

أما عن سلوكيات المسلم فى رمضان فإن العبادات في الإسلام شرعها الله تعالى سموّا للنفس ورقيا للروح وليست مجرد طقوس يقوم بها المسلم دون أثر أو تأثير لها فى واقع الحياة وفى دنيا الناس.

فليس المراد من الصوم مجرد الامتناع عن الطعام والشراب ساعات النهار أو حجب للنفس عن المعاصى طوال اليوم فى صومه وبعد صومه ينقلب إلى إنسان آخر ويتمرد على شرع الله، إنما المراد من الصوم تهذيب النفوس وتعويد الإنسان على مكارم الأخلاق وهذا هو الهدف النبيل لكل العبادات فى الإسلام.

فالصلاة تجعل الإنسان بعيدًا عن الفحشاء والمنكر، وإن لم تأت معه بهذه النتيجة فلا يعتد بها ولا تنفع صاحبها مهما صلى وقام حتى انحنى ظهره وضعفت قدماه. قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن الْكِتَابِ وَأَقِم الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: ٥٤)، وقال ﷺ: «لا صلاة لمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر» ومن المعلوم أن الحج لا رفث ولا فسوق ولا جدال فيه، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِى الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِى الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ٧٩١).. وقال ﷺ: «من حج فلم يفسق ولم يرفث خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

وكذلك الزكاة تزكية للنفس وطهارة للمال وتعويد للمسلم أن يعطى ولا يمن ولا يضيع صدقته بالمن والأذى وأن يعطى أفضل ما يملك وخير ما عنده قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: ٢٩)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُم وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِن الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (البقرة: ٧٦٢). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُم أَجْرُهُم عِنْدَ رَبِّهِم وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلا هُم يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٢٦٢).

فإذا ما وصلنا إلى فريضة الصوم نجد أن سلوكيات الصائم يجب أن تتوافق مع صيامه لربه، فمن عنده أدنى عقل لا يجيع نفسه ويظمئها ثم يضيع كل متاعبه باللهو واللعب الفاجر الماجن، فلقد أخبر ﷺ أن هناك من يقوم ولا قيام له، لأن سلوكياته لا تتفق وروح العبادة التى فرضها الله عليه، قال ﷺ: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش وكم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب والنصب».

لقد بين ﷺ أن الصوم جُنة وأنه وقاية لصاحبه من المعاصى والآثام، وبالتالى فهو وقاية له من النار بشرط أن لا يخرق المسلم هذه الجُنة أى الوقاية وخرقها إنما يكون بالسلوك السيئ فى المجتمع.. يقول ﷺ: «الصوم جُنة- فلا يخرقها- وإن امرؤ سابه أو شاتمه فليقل إنى صائم إنى صائم».. هذا هو الصيام الحقيقى الذى يظهر أثره على سلوكيات الصائم، لا يقابل إساءة الناس بالإساءة ولا يقابل شتمهم له بشتمه لهم، وإنما يقابل إساءة الناس بالإحسان إليهم ممتثلا لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَع بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: ٤٣، ٥٣).. فالصائم عفيف اللسان غاض لبصره صائم عن الحلال مؤقتا وعن الحرام دوما، فلا يصدر منه إلا كل حلو طيب لكل من حوله.

أما كيف يحيى المسلم شهر رمضان أقول: إن شهر رمضان شهر عظيم مبارك فرض الله تعالى صيامه على عباده المسلمين وشرع لهم فيه عبادات خاصة وبين لهم الحق سبحانه وتعالى على لسان نبيه الكريم وفى الذكر الحكيم كيف يحيون ذلك الشهر العظيم.

إن المسلمين يحيون شهر رمضان اقتداء برسول الله ﷺ فيحيونه كما كان يحييه.. وإن العبادات التى يحيى بها المسلم شهر الصوم هى من جنس العبادات للمسلم طوال عامه بل طوال عمره لكنها فى شهر الصيام تزداد عند المسلم وتكون أكثر وأكثر، فمن الأمور التى يحيا بها المسلم شهره: الصلاة.

والصلاة مشروعة خمس مرات فى كل يوم والتطوع بالصلاة مشروع بلا حدود لكن الصلاة فى شهر رمضان خاصة فى العشر الأواخر تزداد وتكثر وتأخذ طابعا خاصا، بل سن رسول الله ﷺ قيام ليل رمضان وكان فى ذلك صلاة التراويح بعد صلاة العشاء، وصلاة التهجد فى النصف الأخير من الليل.

وقال ﷺ عن شهر رمضان: «إن الله فرض عليكم صيامه وسننت لكم قيامه».

وقيام الليل فخر وعز وشرف لمن يقوم به، يقول ﷺ: «شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس».

ومن صفات عباد الرحمن أنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُم الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِم سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ (الفرقان: ٣٦، ٤٦)، وقال تعالى عن المتقين فى سورة الذاريات: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: ٧١، ٨١)، هذا قيام الليل ومكانته فى الإسلام فما بالك عندما يحيى به المسلم ليالى شهر رمضان الذى تكون فيه الفريضة بسبعين فريضة والتطوع فيه كالفريضة فيما سواه، وأخبر بذلك الصادق ﷺ.

ويعيش المسلم شهر رمضان بالإكثار من تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، يقرأ القرآن كاملا مرة بل ومرات إن استطاع اقتداء بسيد الخلق ﷺ، فلقد كان ﷺ يقرأ القرآن أى كل ما نزل منه فى رمضان وفى العام الذى قبض فيه ﷺ عرضه على جبريل مرتين.. و قراءة القرآن فى رمضان وفي غير رمضان مطلوبة من المسلم لكنها فى رمضان آكد، حيث إنه لا يغبط المسلم على شيء كغبطته على قراءة القرآن ليلا ونهارا، قال ﷺ: «لا حسد أى لا غبطة محمودة -وهى تمنى مثل ما للغير من النعمة- إلا فى اثنتين رجل أتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار فسمعه جار له فقال ليتنى أتيت مثل ما أوتى فلان فعملت مثلما عمل ورجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته فى الحق فسمع به جار له فقال ليتنى أوتيت مثل ما أوتى فلان فعملت مثلما يعمل».

فإذا كان هذا في غير رمضان فما بالكم من الخير الذى يكون فى رمضان لمن يحييه بقراءة القرآن.

ومن الأشياء الطيبة التى يحيى بها المسلم شهر الصوم الكرم والجود والعطاء للغير خاصة المحتاج، يحيى المسلم شهره بإطعام الطعام، وإطعام الطعام باب موصل إلى الجنة، قال ﷺ فى أول حديث فى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام بعد الهجرة مباشرة: أيها الناس أفشوا السلام وألينوا الكلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.. وإذا كان إطعام الطعام له هذا الفضل فى أى وقت ففى شهر رمضان له فضل كبير.

فعلى المسلم أن يحيى هذا الشهر بإطعام الطعام كما كان يفعل ﷺ، قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون فى رمضان ﷺ حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن لأجود بالخير من الريح المرسلة».

هذا وبالله التوفيق.   ▪

بقلم: أ.د. محروس حسىن عبدالجواد

أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر

وعضو هيئة كبار علماء الجمعية الشرعية