التشريع الإسلامى‮ ‬وأثــره فـى‮ ‬الفقــه الغربـى

التشريع الإسلامى‮ ‬وأثــره فـى‮ ‬الفقــه الغربـى

التشريع الإسلامى وأثــره فـى الفقــه الغربـى للدكتور محمد يوسف موسى (1383-1316هـ/1962-1899م)

فى هذا الكتاب (التشريع الإسلامى وأثره فى الفقه الغربى) نرى الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى فقيها فى الشريعة الإسلامية وفى القوانين الوضعية القديم منها والحديث.. الغربى منها والشرقي.. وصاحب قدرة ملحوظة على المقارنة بين هذه المنظومات القانونية.. وصاحب ملكة علمية فى هذه المقارنات..

وإذا شئنا- فى هذا التقديم لهذا الكتاب- أمثالا على هذه الحقائق، فإننا نشير إلى بعض المعالم التى سيجدها القارئ لهذا الكتاب.. إنه سيجد:

- أن لكل أمة ذات حضارة مقومات تميزها عن غيرها من الأمم، وتميز نهضتها، وتطبع معالم تقدمها.. ومن ثم «فلابد للأمة التى تريد النجاح فى الحياة من أن تحرص الحرص كله على مقوماتها التى تتميز بها عن غيرها من الأمم، وعلى رأس هذه المقومات: اللغة، والدين، والنظم الصالحة، والأخلاق، والتقاليد الفاضلة».

- وإن للتشريع الإسلامى مقومات ومميزات "فالوحى الإلهى هو أساس القانون الإسلامى، ولذلك كان للأحكام الفقهية الإسلامية من الاحترام ما لا يكون للأحكام فى القانون الوضعى، لاختلاف مصدريهما: الوحى الإلهى من ناحية، وعمل الإنسان- الذى يصيب ويخطئ- من ناحية أخرى..

ولا تتحقق الغاية المرجوة من أى قانون إلا بالتزامه، وتنفيذه ممن وضع لهم، على أن يكون هذا بوازع من أنفسهم وقلوبهم.. وهذا الوازع يكون على أتمه إذا كان مبعثه الإيمان بعدالة القانون، وإذا رضى المخاطبون به واعتقدوا المثوبة من المشرع عند النزول على أحكامه وتشريعاته.

والتشريع الإسلامى قد أوفى على الغاية والكمال من ذلك كله؛ إذ قام على اعتبارات من الدين والأخلاق تجعل جميع أحكامه تبلغ غاية الرضا والإيمان ممن وجهت إليهم من المؤمنين جميعا، لا فرق بين المسلمين وغير المسلمين، وفى القرآن والسنة من الممهدات ما يقنع المخاطب بهذا القانون إن فى الالتزام به والنزول على أحكامه رضا الله ورسوله وثواب الإنسان نفسه فى الدنيا والآخرة، وليس بعد هذا ما يبعث على طاعة القانون.

لقد نزل الجانب الأكبر من التشريعات الإسلامية فى السور المدنية من القرآن الكريم وهى أكثر من الثلث بقليل من مجموع القرآن.. وكان من الضرورى أن يعتمد التشريع على السنة النبوية بجانب القرآن، فإن الكتاب الكريم كان يجىء بالقواعد العامة، وكان على الرسول ﷺ بيان ما جاء فى الكتاب، وتفصيل هذا الإجمال، وتحديد تلك القواعد العامة.. فدور الرسول ﷺ كان دور الشارح للمتن، الذى هو القرآن بعد تبليغه للناس، إلا أنه شارح ملهم من الله، يعمل تحت رعايته، فلا يقر على خطأ بحال.. ولا يصار إلى السنة إلا عند عدم وجود نص من القرآن يفى بما نريده، أو عند الحاجة لتفصيل أو بيان لبعض ما جاء فى القرآن، لأن القرآن مقطوع بصدق كل حرف منه وصحته، أما السنة فمنها ما هو مقطوع به، ومنها ما ليس كذلك.. ولا شك فى أن المقطوع به منها لا يبلغ فى اليقين مبلغ القرآن بطبيعة الحال.. ثم إن السنة تعتبر كالتفسير والبيان للقرآن، وما كان كذلك لا يكون عاليا فى الرتبة والمنزلة.

وإن الدعوة للاكتفاء بالقرآن عن السنة دعوة تخفى كامن الإلحاد فى قلوب الذين يدعون إليها والرغبة فى التحلل من أحكام الشريعة..

ولقد بذل علماء الحديث جهودًا لم يعرفها تاريخ الأديان والعلوم فى سبيل نقد ما نسب إلى الرسول ﷺ من أحاديث وتمييز الصحيح منها من غير الصحيح.."

وغير الكتاب والسنة وهما عوامل الثبات الضامن بقاء إسلامية التشريع الإسلامى، عبر الزمان والمكان هناك عوامل المرونة والسعة والتطور فى هذا التشريع.. ومن هذه العوامل:

  • الإجماع: وهو اتفاق جملة المجتهدين من الفقهاء المسلمين فى عصر من العصور على حكم واقعة من الوقائع، ومسألة من المسائل.. ولا يكون الإجماع شرعيا إلا عن دليل يستند إليه، وأمارة تشهد بصحته شرعا، فإن القول فى الدين من غير دلالة أو أمارة خطأ شرعًا، كما يقرر العلماء، وقد يكون ذلك الدليل قياسا لهذه المسألة أو تلك التى نريد معرفة حكمها الشرعى على مسألة معروف حكمها من الكتاب أو السنة.
  • والقياس: هو إلحاق فرع بأصل فى حكمه، بمساواته له فى علة هذا الحكم الشرعى.
  • والاستحسان: الذى هو العدول فى مسألة من المسائل عن حكم نظيرها إلى حكم آخر لوجه هو أقوى، فهو ليس قولا بالرأى المجرد أو الهوى، بل هو قول لدليل راجح لدى القائل به.. ويجىء الاستحسان فى المرتبة بعد الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
  • والمصالح المرسلة: وهى كل مصلحة غير مقيدة بنص من الشارع يدعو إلى اعتبارها، أو عدم اعتبارها، وفى اعتبارها ما هو جلب نفع، أو دفع ضرر بشرط ألا تعارض مقصدا من مقاصد الشريعة.. ولا دليلا من أدلتها المعروفة، وأن تكون مصلحة حقيقية ضرورية للمجتمع، أو على الأقل يكون فيها تحصيل نفع أو درء ضرر حقيقى".

وفى هذا الكتاب حديث عن أسس صلاح الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان.. ذلك أنه لما كانت الرسالة الإسلامية ليس بعدها رسالة إلهية أخرى، ولما كان رسولها هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ولما كان قد أرسل للناس جميعا، وللعالم كله على اختلاف أممه وشعوبه، كان من الواجب والمنطق أن يكون التشريع الإسلامى الذى جاءت به تلك الرسالة الإلهية العليا قد قام على أسس تجعله صالحا للناس عامة فى كل زمان.. ومن هذه الأسس: رفع الحرج والمشقة.. ورعاية مصالح الناس جميعا.. وتحقيق العدل الشامل.

وعند تضارب المصالح المرسلة تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، والضرر الأكبر يجب أن يزال بالضرر الأدنى، وكما صان التشريع الإسلامى الحق لصاحبه، حرم عليه استعماله فيما يضر الآخرين.

وليس فى القوانين القديمة أو الحديثة ما يقارب التشريع الإسلامى فى رعاية العدالة، لا العدل فقط، للناس جميعا، لا المسلمين وحدهم، حتى للأعداء وإن كانوا فى حالة حرب معنا.. إن القانون الوضعى لا يطلب إلا تحقيق العدل فيما بين أفراد الأمة التى وضع لها ولا يبالى بعد ذلك بما يصيب الأمم أو الدول الأخرى، ومصداق ذلك ما نراه من علاقات الدول الغربية، بغيرها من الدول الشرقية وليس هكذا التشريع الإسلامى الذى جاء للناس جميعا.. إنها شريعة تهدف إلى الأخوة العالمية وتحقيق العدل والعدالة للبشر جميعا، لأنهم جميعًا عباد الله ومتساوون فى الحقوق والواجبات..

كذلك فإن الشريعة الإسلامية لا تنظر بحال إلى نبالة المولد، ولا إلى وجاهة الغنى والثروة، بل هى لا تعرف مقياسا أو ميزانا يتفاضل به الناس إلا التقوى والعمل الصالح.

ومن مميزات الفقه الإسلامى منذ نشأته سيادة النزعة الجماعية فيه، حتى ليعم الحقوق والواجبات فى جميع ميادين الحياة.. وهذه النزعة الجماعية، نجدها واضحة فيما جاء به الإسلام من عبادات كما هى واضحة فيما أتى به من أحكام المعاملات التى نراها فى الحياة العملية، فكل التشريعات فى هاتين الناحيتين تهدف إلى تهذيب الفرد، وإلى صالحه والصالح العام للمجتمع بأسره..

إن التشريع الإسلامى يحتفظ بالحق لصاحبه بلا ريب، ويبيح له استعماله فى الوجوه التى يريدها، ويحميه من اعتداء الغير، ولكن بجانب هذا كله، يعمل هذا التشريع من ناحية أخرى على ألا يضار الغير باستعمال صاحب الحق حقه ضررا يكون أكبر من ضرر الحد من حرية صاحب الحق، وذلك تطبيقا للقاعدة: لا ضرر ولا ضرار، ودفعا لأكبر الضررين بالأخف منهما فهذه القاعدة تحكم استعمال الحقوق، وفى تطبيقها صالح صاحب الحق وصالح الغير معا..

أما القوانين التى هى من صنع البشر، فلم تصدر عن هذه النظرة الجماعية أو الاجتماعية النبيلة السامية، بل كانت تسودها الروح الفردية، وكمثال على ذلك القانون الفرنسى الذى وضع سنة 1804م الذى ساد فيه الروح الفردى القوى، الذى يلتئم مع الروح الذى أملى إعلان حقوق الإنسان، وهو تدعيم حقوق الأفراد وحمايتها، والنظر إلى الفرد باعتباره الأهم فى الحياة. لا باعتباره جزءا من كل هو الجماعة، وقد كان من نتائج ذلك أن أتى وقت اعتبرت فيه الحقوق مطلقة المدى، وأن صاحب الحق فى استعماله سيد لا يسأل عما يترتب على هذا الاستعمال من الأضرار التى تحيق بغيره. وظل ذلك حتى نشأت فيما بعد نظرية سوء استعمال الحق المعروفة.. ولكنه مع ذلك بقى من الثابت الذى لا ريب فيه أن نظرة التشريع الإسلامى لحقوق الأفراد وتقييدها بما يحقق مصلحة الجماعة ولا يضر الفرد صاحب الحق، أوسع مدى وأبعد أثرا من نظرة القوانين الحديثة فى هذه الناحية..

لقد اعتبر القانون الفرنسى فى أول أمره على الأقل حقوق الفرد حقوقا طبيعية له، فهو يملكها ويتصرف فيها حسب ما يرى ومن ثم لا حرج عليه إن أساء استعمالها. أما الشريعة الإسلامية فترى أن الفرد نفسه وكل ما يعتبر عادة من حقوق له، ملك لله تعالى وحده ومنحة منه لعبيده، ولا يمنح ما يمنح من حقوق للأفراد إلا لغرض حكيم وهو تحقيق الخير للفرد والمجتمع معا، ولهذا نجد تقييد استعمال الحقوق، ورعاية مصلحة الغير ومصلحة الأمة فى استعمالها، مبدأ مقررًا وظاهرًا فى الشريعة الإسلامية منذ وجودها".

ولجمع التشريع الإسلامى بين عوامل الثبات وعوامل التطور "فلقد مر هذا التشريع بأدوار ثلاثة حتى بلغ كماله، وهي: دور النشأة، الذى كان أيام حياة الرسول ﷺ.. ودور الشباب أيام الصحابة، وكبار التابعين.. ودور النضج والكمال الذى ظهر فيه الأئمة المجتهدون الكبار.. وبعد الفتوحات امتد الإسلام شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا.. وكان لكل من هذه الأقطار حضارتها وعاداتها وتقاليدها وأعرافها وقوانينها، فبدأ التشريع الإسلامى يتكون فى اتساع وبدأت أصوله تعرف وتتميز، نعنى الكتاب والسنة، والقياس والإجماع، وأخذت قوانين وأعراف البلاد المختلفة التى دخلت فى الإسلام تؤثر فى الفقه والتشريع، بما لا يخرج عن فلك الكتاب والسنة"..

كما ظهرت فى فقه هذه الشريعة توجهات عكست عالميته ومراعاته لمقتضيات الواقع، وتنوع الأعراف والعادات.. "فلقد ظهرت فى الفقه الإسلامى نزعتان: نزعة "أهل الحديث" ومهدها الحجاز، فكان منها فيما بعد المالكية، والشافعية، والحنابلة، ونزعة "أهل الرأى" ومهدها العراق، وكان حاملو لوائها فيما بعد الأحناف، وإن كان الشافعية قد توسطوا بين أهل الحديث وأهل الرأى"..

وما كان اختلاف العلماء دليلا فى يوم من الأيام على الطعن فى آرائهم جملة، بل إن هذا الاختلاف دليل على حيوية الفكر، وعلى الرغبة فى تمحيص الآراء، للوصول إلى الحق الذى هو طلبتهم جميعا..".

ولم يكن التشريع الإسلامى فقه سلطة، وإنما كان فقه دين وأمة، تميز بالاستقلال عن السلطة، بل وبمواجهة انحراف هذه السلطة.. وعلى سبيل المثال: "فلقد ابتدع خلفاء بنى أمية نظام ولاية العهد الذى لم يعرفه الإسلام من قبل، فأخذ صفوة الصحابة والتابعين، العلماء بالكتاب والسنة، يتجهون إلى تأسيس علم الفقه والتشريع الذى يقوم على المصدرين المقدسين العظيمين، والذى يجب أن يكون المثل الأعلى للقانون الذى تقوم عليه حياة العرب والمسلمين العملية..".

لكن تطور هذا التشريع قد اعترضته سلبيات الجمود والتقليد ولو أن رجال هذا الفقه قاموا عليه كما يجب، ولم يجمدوا على القديم، لما كانت الأمة الإسلامية بحاجة مطلقا للجوء للفقه والقوانين الغربية الأجنبية عنها، نأخذ منها تشريعاتها وقوانينها.. وهكذا صرنا فى حالة مؤلمة من الأخذ عن الغرب التشريع، كأننا أمة ليس لها مقوماتها الذاتية، وتقاليدها الطيبة، وشريعتها التى لم يعرف العالم لها مثيلا.

إن وسائل تطور الفقه الإسلامى كثيرة، ولكن أهمها الإجماع، والقياس، ومبدأ المصالح المرسلة، ووجوب رعاية العرف، بشروط خاصة.. وبالإجماع-هذا المصدر الخصب- يمكننا أن نجعل الفقه يتطور بوسائله الشرعية الخاصة، حتى يتناول جميع مسائل العصر ومشاكله بالبحث، لمعرفة حكم الله فيها.

إنه لابد لنا، إن أردنا أن ننهض بالتشريع الإسلامى نهضة حقة وأن نجعله المعين الأول لقوانيننا الحديثة، وأن نستقى منه الحلول لمشاكل العصر، وكل عصر، إن أردنا جادين هذا كله، فعلينا أن نرجع لفقه الصحابة والتابعين، وأن نرى كيف لم يكونوا يقفون جامدين، أمام النصوص التشريعية التى تحمل معانى وتفسيرات عديدة مختلفة".

لذلك، وحتى نتجاوز هذا الجمود والتقليد فإننا بحاجة إلي "مجمع للتشريع الإسلامى" يفتح باب الاجتهاد من جديد: "لقد آن الآوان ليكون لنا مجمع التشريع الإسلامى" بجانب "مجمع اللغة العربية".. ذلك أن دراسة الفقه على النحو الذى نريد وتحقيق الغاية من هذه الدراسة، أمر لا يمكن أن يتحقق على النحو الذى ينبغى إلا بإنشاء هذا المجمع الذى ندعو إليه جاهدين منذ سنوات..

ذلك لأنه إذا كانت العناية باللغة العربية لابد منها، باعتبارها لغة كتاب الله وسنة رسوله، فإن العناية بشريعة الله ورسوله يجب أن تكون أشد ويجب أن تجد الاهتمام والعون والتأييد بين الأفراد والجماعات والدولة معا، فى مصر وغير مصر من البلاد الإسلامية..

وإنه لمن المخجل لنا أن نجد الغربيين يعنون بهذا الفقه الخالد، فيقيمون له حلقات دورية لدراسته من المهتمين به فى الغرب والشرق، ثم توفد الحكومات والجامعات العربية الإسلامية ممثلين لها فى هذه الحلقات والمؤتمرات، ثم لا نفكر نحن فى أن نكون البادئين المنشئين لهذه الحلقات، وندعو لها الذين يعنون بهذا الفقه من الأجانب..

إن هذا المجمع يستطيع العمل بجد على تطور هذا الفقه، وعلى جعله صالحا للتطبيق فى هذا العصر، على أن يكون هذا التطور فى محيط القرآن والسنة، ووفقًا لمبادئ الفقه وأصوله، وبخاصة الإجماع، هذا الأصل العظيم الخصب الذى أدى ثمراته الطيبة، فى الأيام المجيدة الأولى، وهو حرى- حين يجد فقهاء حريين بهذا الوصف- بأن يؤتى مثل تلك الثمرات فى هذا العصر، وفى كل عصر.

وإذا كانت العملة- أية عملة- بصرف النظر عن جودتها وقيمتها تكسد، إذا لم يتم تداولها، فإن تطبيق التشريع الإسلامى فى الواقع الحياتى المعيش هو السبيل إلى بعثه وإحيائه، وإن حركة البعث لهذا التشريع الإسلامى لن تصل إلى الذى نرجوه لها، ولن تؤتى أكلها الذى نبتغيه، إلا إذا درسناه دراسة علمية صحيحة من ينابيعه الأصيلة، وهى الكتاب والسنة، وآراء الصحابة والتابعين، وعرفنا كيف نفيد منه فى تشريعاتنا الحديثة، وحل مشاكل العصر".

ومن معالم هذه الشريعة الإسلامية أنها شريعة للأمة والمجتمع، وليست شريعة طائفة "فغير المسلمين الذين يقيمون ببلادنا لهم ما لنا من الحقوق، وعليهم ما علينا من الواجبات، وهذا أو ذاك شامل للعقوبات والمعاملات، إلا حالات قليلة مستثناة".

ولابد من التمييز بين "المذهبية" التى تفتح الأبواب لتعدد المذاهب الفقهية المدونة أصولها، وبين "الطائفية"، المغلقة.. فأهل السنة والجماعة قد احتضنوا جماع السنة النبوية، واحتضنوا المذاهب الإسلامية، على حين لم يكن الخوارج يعتمدون من الأحاديث إلا ما رواه رجالاتهم، وكذلك الشيعة، أما جمهور المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة، فقد كانوا يعتمدون الأحاديث التى ثبتت صحتها عندهم مهما يدخل فى أسانيدها من رجال الفرق الأخرى متى كانوا عدولا ثقات..".

ولقد عرض هذا الكتاب لدعوى تأثر التشريع الإسلامى بالقانون الرومانى، فتساءل:

هل عرف المسلمون القانون الرومانى كما عرفوا فلسفة اليونان؟

الجواب بالنفى بلا ريب، ذلك أن المسلمين قد نقلوا للعربية فلسفة اليونان وأفادوا منها بيقين، وهم يفخرون بذلك، وبجهودهم الفلسفية التى أضافوها إلى جهود فلاسفة اليونان، وغيروا كثيرا من نظريات أولئك الفلاسفة القدامى وآرائهم، وقد فعلوا ذلك لحاجتهم إلى تلك الفلسفة.

أما فى ناحية الفقه والتشريع فلم يجدوا حاجة مطلقا للأخذ عن غيرهم، لأن لديهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتراث الصحابة والتابعين ما يغنيهم عن الاستعانة بغيرهم فى هذه الناحية، والأمر معروف غير منكور من أحد من العلماء.

ولو كان الأمر على غير هذا، لحفظ لنا التاريخ كتابا واحدا أو رسالة واحدة نقلوها إلى اللغة العربية من قانون الرومان، أو لرأينا مصطلحا واحدا من مصطلحات هذا القانون فى كتب الفقه والتشريع، وما أكثرها، كما بقى لنا الكثير مما نقلوه من تراث الفرس الأدبى والعلمى بجانب ما نقلوه عن تراث اليونان العلمى والفلسفى.

بل إن التشريع الرومانى- على العكس- هو الذى تأثر بالفقه الإسلامى وأفاد منه، فيما زيد عليه أيام النهضة الأوروبية، وذلك عن طريق الثقافة والعلوم العربية الإسلامية التى كانت من عوامل هذه النهضة كما هو معروف.

إنه من المعروف أنه إذا أخذت فكرة عند شعب إلى شعب آخر، ظهر فى لغة وكتابات الشعب الآخر أثر لهذه الفكرة وهذا واضح مثلا فيما أخذ عن اليونان فى القانون الرومانى، كما هو واضح كذلك فى شريعة التلمود اليهودية المليئة بالكلمات والمصطلحات اليونانية واللاتينية.

أما فى الإسلام فإنه لا يوجد لفظ واحد مستعار من اللغة اللاتينية أو اليونانية، فى جميع القاموس الضخم للفقه الإسلامى وتشريعه، كما لا يوجد فى جميع المؤلفات الفقهية والإسلامية أدنى ذكر لمصدر رومانى علمى، وهذا أيضا وحده ينفى فكرة كل استعارة من القانون الرومانى.

إن التشريع الإسلامى يختلف أساسيا فى طابعه ومقصده عن القانون الرومانى، هذا القانون الذى هو وضع رجال حذقوا لغة القانون ومصطلحاته، أما الشريعة الإسلامية فهى نظام من المسائل الفقهية الدقيقة، وقد نُظر إليها من حيث علاقة الإنسان بالله أولا، ولهذا تشمل ما يسمى بالعبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج وغير ذلك، وحتى عندما تعالج المسائل المدنية كالبيع والرهن مثلا، نجد فيها أثر الدين واضحا.

ومن مظاهر التميز التشريعى الإسلامى عن القانون الرومانى عدم وجود إجراءات رسمية شكلية يجب القيام بها ليكون العقد صحيحا، وذلك على خلاف ما كان موجودا فى القانون الرومانى، وما هو موجود فعلا حتى اليوم فى القوانين الغربية، بل يكفى فى هذا رضا المتعاقدين ورغبتهم.

إنه لم يثبت مطلقا أن الفقهاء المسلمين قد عرفوا القانون الرومانى ولا لغته ولا شيئا من مصطلحاته الفنية، على حين أن الأوروبيين، وبخاصة فى فرنسا، كانوا يعرفون التشريع الإسلامى لشيوعه بينهم والعمل به فى بعض تلك البلاد قرونا طويلة.

إن التشريع الإسلامى تشريع مستقل عن غيره من التشريعات التى كانت معروفة فى العالم القديم، ونعنى بهذا القانون الرومانى ولقد كان للتشريع الإسلامى فضل غير منكور على القوانين الغربية، وبخاصة القانون الفرنسى.

"فلقد فتح المسلمون الأندلس سنة 93هـ 711م، ثم دخل بعد ذلك جنوب فرنسا فى الحكم الإسلامى، واستمر هناك بضعة قرون كانت الشريعة الإسلامية هى المعمول بها، إذ كان الحكم لرجالها العرب والمسلمين.ولقد ظل أثر هذا التشريع قائما بعد ذهاب الحكم الإسلامى، وكان هذا الأثر قويا وواضحا بشهادة التاريخ والواقع، وخاصة أنه لم يكن لتلك البلاد قانون يرجع إلى الدين حتى يشتدوا فى مقاومة التشريع العادل الذى دخل إليها، بل كان قانونهم الذى يتحاكمون إليه قانونا وضعيا يرجع إلى القانون الرومانى، وظل الأمر كذلك حتى جاء نابليون ورأى إصدار قانون مدنى مكتوب يتحاكمون إليه، فلجأ إلى ما كان معروفا عندهم ومعمولا به من القانون الرومانى، وإلى الأعراف والعادات القانونية التى تأصلت فى البلاد وجعل من مجموع هذا وذاك قانونه المعروف باسمه والذى صدر سنة 1804م.

ومن المعروف أن مذهب الإمام مالك قد انتقل مع العرب الفاتحين إلى الأندلس والأقطار التى فتحوها وأقاموا بها من فرنسا.. ولقد انتقلت كثير جدا من الأحكام التشريعية المأخوذة من هذا المذهب فدخلت فى قانون نابليون بعد أن رسخت فى تلك البلاد وتولد منها عادات وأعراف قانونية دخلت بهذا "الوصف" فى ذلك القانون.

ومن الأمثلة والمقارنات على ذلك:

1- فى العقد، نجد أن ما جاء فى القانون الفرنسى من انعقاده ولزومه بالإيجاب والقبول من المتعاقدين، وشروط صحة العقد بعامة، وعيوب العقد، وحرية المتعاقدين، وأن انتقال الملكية للموكل يتم بمجرد تعاقد الوكيل عنه، كل ذلك نجده فى فقه الإمام مالك بن أنس على غير ما هو معروف فى القانون الرومانى.

2- ونجد هذا الاتفاق أيضا فى الحَجْر وأسبابه ونتائجه، وعدم أهلية المحجور عليه، وانتهاء هذا الحجر وأسبابه.

3- وكذلك الأمر فى الملكية ودليلها وتثبيتها، وحكم وضع اليد وشروطه ونتائجه، وأن وضع اليد على المنقول يعادل حجة الملكية، وجواز نزع الملكية للمنفعة العامة، وأحكام الملكية المشتركة، وتحديد ملكية المناجم، وطرق نقل الملكية فى المنقول والعقار، وسقوط الحق بمضى المدة.

4- ويتفق قانون نابليون والفقه المالكى فى عقد الإيجار وكثير من أحكامه مثل: التزامات المؤجر، الخسارة فى العين المؤجرة، ضمانها، التنازل عن عقد الإيجار والتأجير من الباطن، نهاية عقد الإيجار، إيجار العمل، إيجار الخدمة، مدة الإيجار.

5- كذلك يتفقان فيما يختص بالتركة وتقسيمها بين الورثة، والوصية، والهبة، وأحكام كل منهما، وفى غير ذلك كله مما يتناوله القانون المدنى من سائر العقود والتصرفات..".

  • ••

ثم يختم هذا الكتاب بالنظر إلى المستقبل، ليجيب على سؤال:

ماذا نريد من التشريع الإسلامى؟ ثم يجيب:

نريد من هذا التشريع الخالد أن يكون المصدر الأول لتشريعاتنا الحديثة، ولكل ما تؤخذ به الأمة من قوانين، فى كل البلاد العربية والإسلامية، ولا علينا مع هذا أن نفيد من كل خير نجده فى التفكير القانونى لأى أمة أخرى من الأمم الغربية، بل لعل هذا يكون واجبا، فما كانت أمة قادرة على أن تستغنى عن غيرها فى كل شئونها.

لقد أبعد الاستعمار البغيض المجرم التشريع الإسلامى عن الحكم والقضاء، منذ أواخر القرن التاسع عشر عندما صدرت "المجموعة الأهلية" سنة 1883م، وقد سنت على نسق "المجموعة المختلطة"، وجاء فيها أكثر أحكامها، ولم يبق من شريعتنا إلا الأحوال الشخصية، من الزواج والطلاق والوصية والميراث.

واليوم، نرانا قد خطونا خطوة كبيرة فى سبيل الغرض الذى نقصد.. لقد نبغ فينا من رجال القانون من رأى أنه قد آن للقانون الذى نحكم به أن يكون قانونا عربيا يتفق مع ماضينا المجيد وديننا وتقاليدنا الطيبة وعملوا لهذا الاستقلال بالطرق التى رأوها صالحة ناجعة فى رأيهم.

ولقد كانت العناية من جانب الغربيين الذين تخصصوا فى الفقه الإسلامى، وقصروا جهودهم أو جانبا كبيرا منها عليه، وما كان منهم من إشادة بهذا التشريع، باعتباره تشريعا أصيلا وقابلا للتطور ومسايرة الحياة الحاضرة، من الأسباب التى دفعت الكثير من رجال القانون عندنا للإيمان بهذا التشريع وللإقبال على دراسته والانتفاع به.

ولأن نيل الأمانى ليس بالتمنى وحده، فيجب أن تشتد الأمنية فتصير رغبة، وأن تشتد هذه الرغبة بالعزم الصادق عليها فتصير إرادة، ولا يصل الإنسان إلى أن يريد شيئا إلا إذا فكر فيه ووجده ممكنا، ثم جمع أمره عليه، وأخذ فى تذليل ما يعترضه من صعاب أو عقبات.

نحن نريد أن يكون التشريع الإسلامى فى مستقبل الأيام الأساس الأول لتشريعاتنا الحديثة، وأن يكون منه قانون عام للبلاد العربية والإسلامية كلها، وهذا الذى نريده أمر عظيم دونه صعاب، وهو يتطلب منا عملا جادا دائبا، فما ينبغى لنا إذًا أن نخدع أنفسنا بأن نزعم أننا نريد، ثم لا نعمل بما يجب أن يُعمل ليكون ما نريده أمرا واقعا فى مستقبل الأيام.

علينا أن ندرس الفقه الإسلامى، فى مختلف مذاهبه، على نحو جديد غير النحو الذى يدرس عليه فى الأزهر، أى ندرسه دراسة تاريخية مقارنة بين بعض مذاهبه وبعضها من ناحية، وبينه وبين الفقه والقوانين الحديثة من ناحية أخرى فهذه الدراسة الشاملة والعلمية الصحيحة ستساعدنا على التحرر من ربقة التقليد الذى أخذ منا بالخناق.

ولابد من فتح باب الاجتهاد فى الفقه للقادر عليه الذى اجتمعت له مؤهلاته التى نعرفها، فإنه ما تخلف التشريع الإسلامى إلا بسبب سد هذا الباب منذ قرون.

إننا نعلم أن الاعتزاز بتراث الماضين من الأسلاف أمر طبيعى وغريزى فى الإنسان، وإنه من العبث والحمق أن نحاول التنكر لهذا التراث المجيد والاستغناء عنه وإنه من المستحيل أن نقيم علما من العلوم دون أن نفيد من جهود الماضين وثمار تفكيرهم فى دائرة هذا العلم.

ولكننا نعلم أيضا مع هذا أن الجمود من سمات الموت، وأن الحركة هى الخاصة الأولى للحياة، وأن القرآن العظيم نعى بشدة فى كثير من آياته على التقليد والمقلدين، كما نهى الأئمة أنفسهم عن تقليدهم بلا حق، وليس لأحد منا أن يخلط بين هذا التقليد المنهى عنه، وبين الاتباع الذى أثنى الله عليه بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ (التوبة) 100: فيقول بأن فى التقليد اتباعا يرضاه الله جل ثناؤه.. ذلك أن اتباع الأجلاء من المهاجرين والأنصار فى هذه الناحية، هو احتذاؤهم فى طرق استدلالهم واستنباطهم الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وما أعظم الفرق بين هذا وبين التقليد.

إن تاريخ الفقه الإسلامى ليؤكد لنا جميعا أن كثيرًا من آراء الفقهاء والقدامى قد تغيرت بتغيرات بيئات المكان والزمان فما بالنا نرضى بالجمود الذى ثقل على القلوب والصدور مع شديد الحاجة إلى الاجتهاد؟! ▪

بقلم: أ.د: مـحـمـد عمــارة