دروس مستفادة من هجرة الرسول ﷺ

دروس مستفادة من هجرة الرسول ﷺ

فى فجر الجمعة الموافق 27 من شهر صفر سنة 14 من البعثة النبوية الشريفة الموافق 13من شهر سبتمبر سنة622 م ابتدأ رسول الله ﷺ وصاحبه أبوبكر الصديق رضى الله عنه رحلة الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة؛ والتى وصلها في ٢١ ربيع الأول؛ انصياعا لأمر الله تعالى بعد ثلاث وخمسين سنة قضاها رسول الله ﷺ فى مكة.

فى هذا الحدث العظيم كم هائل من الدروس والعبر التى يجب على كل مسلم ومسلمة استحضارها فى كل احتفال برأس السنة الهجرية حتى تتحقق الفوائد المرجوة من هذا الاحتفال.

أولاً: درس فى التأكيد على حتمية الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل:

الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل من ضرورات الحياة الدنيا، والحق لا ينتصر لمجرد كونه حقا بل يحتاج إلى المؤمنين به الذين يبذلون الغالى والرخيص من أجل الانتصار له، وإعلان كلمته فى الأرض، وللتدليل على ذلك نستعرض واقع مكة المكرمة قبل الهجرة مباشرة.

فقد رأى مشركو قريش أن انتشار الإسلام فى يثرب يشكل خطرا كبيرا عليهم فدعوا إلى اجتماع فى دار الندوة حضره صناديدهم ليتدارسوا الأمر، وبعد تداول الأمر تكلم فى هذا الاجتماع أبو البحترى بن هشام فاقترح حبس رسول الله ﷺ فرفض اقتراحه، واقترح الأسود بن عمرو نفيه إلى خارج مكة فردوا عليه اقتراحه قائلين: ليس هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه، وقوة منطقه، فإذا حل عند قوم لا يلبث أن يستولى على نفوسهم، ويحل فى سويداء قلوبهم؟ بعد ذلك تحدث أبو جهل عمرو بن هشام زعيم بنى مخزوم من قريش قائلا: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى، شابا، جليدا، نسيبا، وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ويذهبون حيث محمد، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه فى القبائل كلها، فلا يستطيع بنو عبد مناف قتال الجميع، فيرضوا منا بالعقل أي:الدية فعقلناه لهم، فاستحسن الحضور الرأي، وقرروا إخراجه إلى حيز التنفيذ.

وعلى الفور أخبر الله تعالى خاتم أنبيائه ورسله بتفاصيل المؤامرة التى أنزل بشأنها قرآنا يتلى إلى يوم الدين يقول فيه ربنــا تبارك وتعالى: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30)، ويقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُم الْفَائِزُون﴾ (التوبة). 20:

ثانيا: درس فى حسن التخطيط لكل أمر مع التوكل على الله:

أمر الله سبحانه وتعالى خاتم أنبيائه ورسله بالهجرة من مكة الى المدينة، فبدأ بالإعداد لذلك آخذا بكل ما لديه من الأسباب، فكتم أمره حتى عن صاحبه الذى أخبره الله تعالى أنه سيرافقه فى هجرته. فطلب منه أن يجهز لرحلة الهجرة، فابتاع راحلتين احتبسهما فى داره، يهيئهما للرحلة الطويلة، كذلك عهد رسول الله ﷺ إلى ابن عمه على بن أبى طالب أن يبيت فى فراشه ليلة الهجرة، حتى يرد ما كان عند رسول الله ﷺ من أمانات لكفار ومشركى قريش، وأن يتسجى ببرده صرفاً لأفئدة المتربصين.

وتروى أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها فى حديثها عن الهجرة قائلة: كان رسول الله لا يخطئ أن يأتى بيت أبى بكر أحد طرفى النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان ذلك اليوم الذى أذن الله فيه لرسوله بالهجرة والخروج من مكة من بين ظهرانى قومه، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة فى ساعة كان لا يأتى فيها، فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ هذه الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله صلوات ربى وسلامه عليه وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء، فقال رسول الله: أخرج عنى من عندك. فقال: إنما هما بنتاى بأبى أنت وأمى فقال رسول الله: إن الله قد أذن لى بالخروج والهجرة فقال أبو بكر «الصحبة يا رسول الله، قال ﷺ: الصحبة، فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ وأعد أبو بكر دليلا ليصحبهما فى الرحلة إلى المدينة، وأمر ابنه عبد الله أن يجمع لهما أخبار أهل مكة، وأمر خادمه عامر بن فهيرة أن يرعى الغنم فى جنوب مكة ليعفو على آثارهما إذا تحركا، ودرب ابنته أسماء رضى الله عنها على حمل الطعام والشراب وعلى تسلق الجبال لإيصاله إليهما.

ثالثا: درس فى الإيمان برعاية الله تعالى لنبيه:

فى العتمة من ليلة الهجرة النبوية الشريفة، طوق بيت النبى ﷺ أحد عشر شابا من كفار قريش المتوشحين بالسيوف يرصدون كل حركة فيه. وعند منتصف الليل قام صلوات ربى وسلامه عليه ليخلفه على بن أبى طالب فى فراشه، وخرج من بينهم دون أن يشعروا به لأن الله تعالى كان قد أغشى أبصارهم. ثم تحرك للقاء أبى بكر لينطلقا فى رحلة الهجرة، عامدين إلى غار ثور.

رابعا: درس فى حب الأوطان:

قبل مغادرة مكة وقف رسول الله ﷺ على رابية صغيرة فى أحد أسواق مكة، واتجه ببصره إلى الكعبة المشرفة يودع أحب بقاع الأرض إلى الله تعالى وإلى قلب خاتم أنبيائه ورسله قائلا: والله إنى لأخرج منك وإنى لأعلم أنك أحب بلاد الله إليّ، وأنك أحب أرض الله إلى الله عز وجل وأكرمها عليه، وإنك خير بقعة على وجه الأرض، وأحبها إلى الله تعالى ولولا أن أهلك أخرجونى ما خرجت.

خامسا: درس فى حب رسول الله:

سار رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر على الأقدام مسافة تقدر بحوالى عشرة كيلومترات فى الاتجاه إلى غار ثور، إلى الجنوب من مكة وقد حمل أبو بكر معه كل ثروته، ولم يترك لأبنائه منها شيئاً، وأبو بكر خائف على رسول الله من أن تلمحه عين من أعين كفار ومشركى قريش، فتارة يمشى أمامه وتارة يأتى خلفه، وثالثة عن يمينه، ورابعة عن يساره فسأله رسول الله عن ذلك فقال: «يا رسول الله! أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكرالطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك، لا آمن عليك.

وكان عبد الله بن أبى بكر يأتيهما بالأخبار ليلا، ويبيت عندهما حتى السحر،وكان مولى أبى بكر عامر بن فهيرة يرعى خارج مكة ليعفى على آثارهما.

سادسا: درس فى معية الله تعالى لعباده المؤمنين:

شمّرت قريش عن سواعدها فى طلب رسول الله ﷺ وصاحبه ،وجندت كل إمكاناتها فى سبيل تحقيق ذلك، وقررت إعطاء مكافأة قدرها مائة ناقة عن كل واحد منهما، لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين. وأملا فى الحصول على تلك المكافأة السخية جَدَّ كل من قصاصى الأثر والفرسان فى طلب المهاجرين الكريمين، وانتشروا فى كافة الأودية والجبال المحيطة بمكة حتى وصل بعض المقتفين للأثر إلى فتحة غار ثور، وقالوا: والله ما جاز مطلوبكم هذا المكان. سمع أبو بكر هذا الكلام فبكى بكاء مكتوما هامسا لرسول الله بقوله:"والله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. لو هلك أبو بكر لهلك فرد واحد، أما أنت يا رسول الله لو هلكت لذهب الدين، وهلكت الأمة، والله ما على نفسى أبكي، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره". فطمأنه رسول الله ﷺ قائلا: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا". وفى ذلك يقــول ربنــا تبــارك وتعـــالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة).40:

ولما هدأ الطلب اتجهت أنظار الكافرين إلى شمال مكة، فجاء عبد الله بن أبى بكر بالراحلتين وبالراعى والدليل وكان ماهرا بالطريق إلى المدينة، وكان على دين مشركى قريش ولكنه عاهدهما على ألا يخون الأمانة. وأتتهما أسماء بزاد رحلتهما فخرج رسول الله ﷺ وصاحبه من الغار فقدم له أبو بكر أفضل الراحلتين وأصر رسول الله ﷺ على دفع ثمنها فركبا وانطلقا سالكين طريق الساحل إلى المدينة على الرغم من أنه أطول من الطريق الجبلى هروبا من مطاردة المطاردين.

سابعا: درس فى كرامات رسول الله ﷺ:

على الرغم من تغيير الطريق إلى المدينة فقد اشتد الطلب فى أثر المهاجرين الكريمين فبادر أحد فرسان قريش وكان اسمه سراقة بن مالك بالركض شمالا بحثا عنهما حتى إذا قرب منهما دعا عليه رسول الله فعثرت به فرسه وخر عنها ثم قام وركب عليها فغاصت قدما الفرس فى الأرض ثم زجرها فنهضت فاستجار برسول الله فأجاره ثم يدفعه الطمع إلى تناسى ما وقع له فيصيبه أشد منه حتى آمن ألا سبيل له إليهما وظهر له من الكرامات ما جعله يعود صادا للمتعقبين لهما.

وفى الطريق إلى المدينة نزل ركب رسول الله ﷺ للتزود بالطعام والشراب على خيام لأم معبد الخزاعية والمنطقة تعيش فى شدة من الجدب والعوز، فسألوها أن تبيعهم لحما أو لبنا أو تمرا، فقالت: والله لو كان عندنا ما أعوزناكم القرى أى القيام بواجبات الضيافة.وفجأة أبصر رسول الله ﷺ شاة خَلَّفها عن الغنم شدة ما بها من هزال وجهد، فسأل رسول الله ﷺ: هل بها من لبن؟ قالت أم معبد: هى أجهد من ذلك، قال: أتأذنين لى فى حلابها؟ أجابت: والله ما ضربها من فحل قط، فشأنك إن رأيت فيها حلبا فاحلبه، وأحضرتها له. فمسح رسول الله ﷺ بيده الشريفة على ظهر الشاة وعلى ضرعها مسميا باسم الله، فدرت، ودعا بإناء فحلب، ونزل اللبن قويا فى صوته، ثرا فى تدفقه حتى امتلأ الإناء، فقدمه لأم معبد فشربت حتى رويت، وشرب جميع من حضر حتى روى، وأخيرا شرب رسول الله حتى رووا، وكان قدومه على أهل هذه المنطقة بشير يمن وبركة، فنزل الغيث، واخضرت الأرض، ودرت ضروع الحيوانات، فأطلقوا على زائرهم لقب المبارك .وفى الطريق إلى يثرب لقى ركب النبى كلا من أبى بريدة والزبير بن العوام، وكان أبو بريدة زعيم قوم أخرجوا وفدا من أكثر من سبعين رجلا فى طلب الرسول ﷺ وصحبه، ولما واجهوه أسلموا جميعا، أما الزبير فكان فى جماعة من التجار المسلمين العائدين من بلاد الشام ففرحوا بلقاء الرسول ﷺ وصحبه.

ثامنا: درس فى تحقق نصر الله لعباده الصالحين:

بعد أحد عشر يوما فى الطريق وصل ركب رسول الله ﷺ إلى قباء فاستقبل أهلها الركب بالترحاب والفرحة والبهجة، وقضى الرسول ﷺ وصحبه عدة أيام فى قباء يصلون فى مسجدها وهو أول مسجد أسس على التقوى. ثم تحرك الركب المبارك إلى المدينة انتزاعا من قلوب أهل قباء، فتزاحم أهل يثرب على زمام ناقة الرسول ﷺ،كل يريد أن يظفر بنزول هذا الركب المبارك عنده، ورسول الله يقول: "دعوها فإنها مأمورة". حتى بركت فى موضع مسجده الشريف إلى جوار بيت أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه الذى نزل به رسول الله ﷺ. وكانت الأرض التى بركت فيها الناقة أرضا خلاءً يملكها يتيمان فى المدينة فوهباها لرسول الله ﷺ ولكنه أصر على دفع ثمنها كاملا قبل البدء ببناء المسجد فيها .وفى هذا المسجد الذى كان شديد التواضع فى بساطته.

ربى رسول الله ﷺ رجالا ونساء من المسلمين الذين فهموا حقيقة رسالتهم فى الحياة: عبادا صالحين لله، مطالبين بعبادته تعالى بما أمر، ومستخلفين ناجحين فى الأرض، مطالبين بعمارتها، وبإقامة شرع الله وعدله فى ربوعها. وبهؤلاء الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات أقام رسول الله ﷺ أعظم دولة عرفتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل، وأعظم حضارة شهدتها الأرض منذ أن خلقها رب العالمين.

تاسعا: درس فى الأخوة الإسلامية والتكافل الإسلامي:

فقد آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وأكد ضرورة التكافل بينهم، وبذلك أقام قواعد المجتمع الإسلامى الذى وصفه القرآن الكريم بقول الحــق تبـــارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:9).

عاشرا: درس فى أن الهجرة من سنن الفطرة:

فقد هاجر كل من نعلم من الأنبياء من أرضه، كما أننا فى كل لحظة من لحظات وجودنا نتواجد فى نقطة مختلفة من الكون، والكون كله يتحرك فى اتجاه الانتقال إلى الآخرة، لذلك اتخذ الفاروق (رضى الله عنه) يوم هجرة رسول الله ﷺ مبتدأً للتاريخ الإسلامى لأن هذا اليوم المبارك انتقلت فيه أمة محمد ﷺ من طور الاستضعاف إلى طور الاستخلاف فى الأرض فأقامت أطول وأكمل حضارة شهدتها الأرض لأنها امتدت لأكثر من عشرة قرون كاملة، وكانت الحضارة الوحيدة- التى جمعت بين الدنيا والآخرة فى معادلة واحدة.

ومن هنا كان واجب المسلمين عند كل احتفال بهذه الذكرى العطرة أن يسعوا لإحياء الدروس المستفادة منها فيصبح الاحتفال تحقيقا عمليا لروح الهجرة.

حادى عشر: التأكيد على أن يكون للمسلمين تاريخهم الخاص:

قبل عهد سيدنا عمر بن الخطاب، لم يكن لدى المسلمين تقويم، فقط كانت لديهم الشهور، وبدأت الفكرة حينما بعث سيدنا أبو هريرة برسالة للفاروق عمر، يقول له فيها "حدث فى رجب" فرد عليه فى أى رجب، هل الماضى أو قبل الماضى، فاختلط الأمر عليهما ومن هنا جاءت فكرة التقويم.

ففكر الصحابة أن يبدأ التقويم بتاريخ ميلاد النبى، ولكن سيدنا عمر قال، إن النبى عليه الصلاة والسلام ولد فى بيئة مشركة تعبد الأصنام، ولم يكن هناك أحداث خاصة بالمسلمين، فاقترحوا الإسراء والمعراج، أو بداية نزول الوحى على رسول الله، ولكن سيدنا عمر قال نجعله بهجرة المسلمين، حيث أصبح لهم وطن، وقانون، وحاكم، وأصبحنا نصنع أحداثنا، فاستقروا أن تصبح الهجرة هى بداية التاريخ.

ويتضح أن التأريخ ليس فقط زمانا، بل زمان، ومكان، وأحداث، ولذلك كان اختيار الهجرة. وبعد اختيار الهجرة كحدث للتأريخ، لم يكن من الممكن أن يبدأ العام من شهر ربيع، الذى يعتبر الشهر الثالث، فتعداد الشهور وترتيبها كان مؤرخا بالفعل، ولذلك تمت تسمية العام بالهجرى، وعد السنوات منذ الهجرة، واتفقوا أو اجتمعوا بلغة الفقه أن تكون بداية السنة الهجرية فى محرم، وخصوصا أن المسلمين كانوا بدأوا الهجرة بالفعل قبل النبى ﷺ فالنبى ﷺ هاجر فى ربيع الأول، ولكن هناك مسلمين هاجروا قبله بفترات طويلة.

ثانى عشر: التأكيد على حرمة شهر المحرم وحرمة العاشر منه:

عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: "قدم النبى ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بنى إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال ﷺ: نحن أحق بموسى منهم. فصامه وأمر بصيامه.

وعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها أنها قالت: كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يوما تستر فيه الكعبة، فلما فرض الله رمضان، قال رسول الله ﷺ: "من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه" (البخاري).

وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن أهل الجاهلية كانو يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله: "إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. وقال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع".

فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على بعثة خير الأنام الذى جاهد على مدار ثلاث وعشرين سنة حتى أوصل لنا دين الله الذى لا يرتضى ربنا تبارك وتعالى من عباده دينا سواه فصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ▪

بقلم: أ.د. زغلول النجار