فقه الأولويات في حياة المسلم

فقه الأولويات في حياة المسلم

ماذا يفعل الإنسان إذا تزاحمت عليه الأعمال، وضاق به الوقت، ووصل إلى الاضطراب. فماذا يصنع؟

غالبًا إنه يقدم بعض الأعمال ويؤخر بعض الأعمال، يؤدي البعض ولا يؤدي البعض؟

فماذا عن المسلم في حياته؟

إن المسلم في حياته يصنع نفس الشيء لكن.. بميزان الله، لا بهوائه؟ ماذا يقدم وماذا يؤخر من المتطلبات المتزاحمة عليه؟ وهذا ما يعرف في تراث الإسلام بفقه الأولويات.

فالأولى بمعنى: الأجدر أو الأصوب أو الأفضل.

فعندما تتزاحم الأعمال والوقت لا يكفي لنا جميعا فماذا نصنع؟ أُقدم أم أُأخر.

فهذا التقديم أو التأخير ينبغى أن يكون بميزان الشرع، تعالوا بنا إلى القرآن الكريم ننظر هذا اللون من الفهم.. فهم الأولويات؟

خذ مثلا قول المولى جل شأنه: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُكُمْ)

إن تُظهر الصدقة فذلك أمر محمود، وإن تُسِرَّ بها وأنت تتحرك للمحتاج فهذا أولى وأفضل وخير، لأن فيه أمانًا وتأمينًا لك من مرض الرياء عافانا الله وإياكم، فبالرغم من أن الجهر محمود، إلا أن الأولى والأفضل والأحسن أن تُسِرَّ بالصدقة.

أمثلة من القرآن الكريم

خذ مثلا قول الله جل شأنه: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿19﴾ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿20﴾

فاعتكافك في الحرم وانقطاعك للعبادة هذا أمر محمود، لكن الأفضل منه والأولى منه والأعظم شأنًا منه الجهاد في سبيل الله تعالى.

إذن فهناك فضل معظم ومهم وأهم وراجح ومرجوح خذ مثلا قول الله سبحانه وتعالى لبني إسرائيل: (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) فهذا نكال من الله، للذي يشتغل بالسفاسف على حساب الأهم، والذي يبغي الأدنى ويترك الأكبر والأعظم.

أمثلة من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم

أما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ففي الحديث: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً ,فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَان)

لاحظ: الإيمان بضع وسبعون شعبة، لكن هناك أعلى وهناك أدنى، وهناك المهم والأهم، فإذا تزاحمت الأمور قدم الأهم من وجهة نظر الشرع على المهم، وقدم الفريضة على النافلة.

فعندما تتزاحم عليك التكاليف، وأنت تعيش طوال اليوم على نهج الله ومنهجه فتقدم ما من حقه التقديم، وتؤخر ما من حقه التأخير.

عندما يغيب هذا الفهم، يختل العقل المسلم المعاصر، وهو الآن مختل، وهذا يرجع لأنه ليس مرتبًا كما أراد الشارع سبحانه وتعالى، فهو الآن مرتب على حسب الأهواء وعلى حسب الميول وعلى حسب الحكايات.

فإذا حدث هذا الخلل فلا تنتظر من الأمة أن تجتمع على كلمة ولا أن تٌنصر برحمة، لماذا؟ لأن الميزان من الشارع سبحانه وتعالى، اختل في عقولنا، فأصبحنا نقدم النافلة على الفريضة، فنجد أحدهم يصلي القيام ثم يذهب للعمل في اليوم التالي وينام ولا يؤدي عمله ويقضي مصالح الآخرين.

لكن إذا استطعت أن تجمع بين قيام الليل وحسن أداء العمل وخدمة الناس فهذا هو الأفضل، فإذا تزاحما فقدم الفريضة (العمل) على النافلة (القيام).

ففي فقه الأولويات الأمة تقدم العلم على العمل، فأي عمل ينبغي أن يسبقه علم، ففي فقه الأولويات نقدم الفهم على الحفظ، فالحفظ شئ جيد، لكن الأهم منه الفهم، وإذا اجتمع الحفظ والفهم فهنيئًا لك. لكن عندما يتزاحم الأمر ماذا تقدم؟ تقدم الفهم.

إن ثمرة فقه الأولويات، أننا نقترب من الأولى والأجدر، أننا نحق مراد الله سبحانه وتعالى فإذا غاب عن المسلم فقه الأولويات تخبط، ومن ضمن هذا التخبط فوات الثواب.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمنا الصائم، ومنا المفطر قال : فنزلنا منزلا في يوم حار، وأكثرنا ظلا: صاحب الكساء . ومنا من يتقي الشمس بيده. قال: فسقط الصُوَّام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية. وسقوا الركاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر)

يمكن أن يراد بالأجر في قوله: (ذهب المفطرون بالأجر) أجر تلك الأفعال التي فعلوها، والمصالح التي جرت على أيديهم. ولا يراد مطلق الأجر على سبيل العموم، أو أن أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغًا وذلك بسبب تعدي نفعهم للآخرين.

فمع أن الصوم في السفر جائز إلا أن المفطرين الذين قاموا على خدمة إخوانهم أخذوا أجرًا أكثر منهم لأن عملهم نفعهم ونفع غيرهم، أما الصوم فينفع الصائمين فقط.

لاحظ أن من حصل على الأجر الأكثر هم المفطرون، لأنهم أدوا العمل الأولى والأهم وهو العمل للمجموع. فصيامك لنفسك فقط، فيقدم عمل المجموع على عمل الفرد إذا تزاحم الأمران معًا، لكن إذا كان يقدر على الأمرين وهو الصيام والعمل للمجموع فهذا أفضل.

رسالة إلى الشباب

أيها الشباب وأنتم أمل الأمة لابد أن تدرسوا فقه الأولويات، ففي فقه الأولويات يقدم الكيف على الكم، ويقدم النساء على الرجال في حضانة الأطفال؛ لأنهم أعلم بالتربية وأحن على الأولاد، وتقدم الأمهات على سائر الأقارب، وفي الولاية الصغرى في إمامة الصلاة يقدم الفقيه القارئ على القارئ فقط، ويقدم القارئ الورع على القارئ غير الورع فمَن وراءه يُتم الكمال.

ففي ميزان الشرع يوم أن ننضبط ونجعل الأولويات خطابنا في الفهم وفي الفعل والقول على مراد الله لاجتمعنا جميعًا، ويوم أن نجعل الأولويات على أساس الهوى وما نريد وما إلى ذلك، فلن تجتمع الأمة، فوحدة الأمة مقدمة على كل شئ.

ما هي أفضل عبادة لله؟

أفضل عبادة لله أن تحرص على مرضاته، في كل الأوقات، بشرط أن تعرف عبادة الوقت.

والأمر واضح عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسألون عن الأولى والأهم من منظور الشرع لا من منظور الهوى، من منظور هذه العقيدة لا من منظور هذه السياسة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ سُئِلَ " أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ حِجٌّ مَبْرُورٌ " . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ , وَمُسْلِمٌ.

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ : " الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا " ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ " ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " مَبْرُورٌ " . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

اسأل الله أن ينفع بهذه الكلمات والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأستاذ/ مصطفى إسماعيل – الأمين العام للجمعية الشرعية