بالأمل والعمل نبني الأوطان

بالأمل والعمل نبني الأوطان

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد: فبادئ ذي بدء أقول: إنّ كثيرًا من الناس في زماننا قد أتقنوا لعن الظلام وتصدير التشاؤم إلى الآخرين، وقليل أولئك الذين يتعبّدون لله تعالى بصناعة الأمل في القلوب. ولسان حالهم في حركتهم وكلامهم: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87] وسمت حركاتهم بين الخلق: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 13]..

أيها الإخوة والأخوات:

إنّ الأنفس المهزوزة والأيدي المرتعشة لا تقوى على البناء، كما أنّ اليائسين لا يصنعون حضارة ولا يشيدون مجدًا.. وواجب الوقت اليوم هو صناعة الأمل وزرع التفاؤل برؤية واقعية من الإيمان واليقين بالله Y. واسمحوا لي أن نقرر في بداية كلماتنا: أنّه مما لا شكّ فيه أن طبيعة الدنيا التي نحياها الابتلاءات وكثرة المشكلات؛ ولم لا وقد جُبِلَت على ذلك، وأضحى الإنسان فيها في تعب ومشقّة؛ قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]، ويقول القائل عن الدنيا:

جُبِلَت على كدَرٍ وأنت تريدها *** صفوًا من الأقدار والأكْدَارِ

ومُكَلّف الأيام ضِد طباعِهَا *** مُتطَلِّبٌ في الماء جذْوة نَارِ

غير أنّ السائر إلى الله تعالى لا يضيق صدره بطبيعة الحياة فيتألم أو ييأس من روح الله ورحماته؛ لأنه مؤمن بأنّ الأقدار والكون بيد الله تعالى، وعليه تزداد ثقته ويقينه في ربّه U، كما تزداد همّته في العمل لصالح الدين والدنيا على السواء..

الأمل الذي نريد: وتحتمل كلمة (الأمل) معنى الرجاء فيما عند الله تعالى من رحمة وغفران، كما تحتمل معنى انتظار الفرج وكشف البلاء، والثقة في زوال المصيبة والمشكلة التي يعاني منها الإنسان، وتوقّع حصول الأفضل، واليقين في تحقق النصر مهما اشتد الظلم وشاع البغي والعدوان على أهل الحقّ.. والأمل كلمة كلها إشراقات ونفحات، إنها شعور عاطفي إذا امتلأت به نفس الإنسان زادت همّته وتنامت حركته لصالح ذاته والمجتمع..

ســـلاح الأمل:

حين اشتدَّت الهموم على الصحابة في بداية الدعوة الإسلامية لجأ أحدهم إلى القائد القدوة والداعية الأول (رسول الله e) يشكو هَمَّه ويبثّ تخوفاته ويرصد له نفسيّة الكثير من أصحابه في وقت اشتدّ بهم الأذى والعنت والمشقة وهم لا زالوا في بداية طريق الدعوة.

فإذ بالداعية الأوّل e يرسم له خريطةً ذهنيّة قد اشتملت على صورة من الماضي ترتبط بالحاضر وصورة من المستقبل الباهر القريب، فقال لصاحبه الخبَّاب t يومهَا: (قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [رواه البخاري في الصحيح]..

وحين وصل سراقة بن مالك إلى الرسول عند غار ثور وكاد أن يفشي سرّه، يعده النبي e بما وعده به -مما يعد مستحيلا في ظننا وقتها- غير أنّ الله حقق له ذلك، حتى بعد موته عليه الصلاة والسلام.

وحين اعترض الصحابةَ صخرةٌ كبيرة عند حفر الخندق، حمل فأسه الشـريف، -بل قل حمل أمله الشـريف- وأخذ يبث الأمل في النفوس المؤمنة، وتسمع الجموع صيحات التكبير والتفاؤل (الله أكبر) ويبشِّـر بفتح الشام واليمن وفارس... وهو المُحاصَر حينها من الأحزاب!!

إنها رسالة إلينا جميعًا بأن نكون أقوى وأشد عند المشكلات والضيق والابتلاءات..

إنّنا حين ننظر إلى نبيّ الله يوسف u نجده وقد أحاطت به المِحن من كل جانب، ولا يخرج من حفرة إلا وتجده قد وقع في حفرةٍ أعمق وألمٍ أشدّ:

فها هو يتنقّل من رؤيا منامية فيها بشـرى إلى محنة الغيرة والحسد الأخوي عليه، من رفقة أبيه وأهله إلى بئر عميق مظلم كاد أن يموت فيه لولا عناية الله، من إنقاذه إلى بيعه عبدًا رقيقًا في مصـر، من بيعه عبدًا إلى المعيشة في بيت عزيز مصر، من المعيشة الهانئة إلى الإغراء والإغواء الفردي المباشر من امرأة العزيز، مِن شهادة شاهد من أهلها ببراءته إلى مراودة نسوة المدينة له، من الهناءة الظاهرة إلى الأسْر والسّجن، من باطن السجن والحرمان من لقاء الجماهير إلى دعوة فردية داخل السجن وهداية الناس على يديه وتفسير رؤيا الملك حتى البراءة الواضحة والخروج من السجن إلى الملك، ومِن المُلك إلى حرب نفسية في مشاعره نحو إخوته الذين آذوه وفرّقوا بينه وبين أبيه وأخيه...

هل تعرف أخي الداعية أن يمكن أن تُلخَّص قصة نبي الله يوسف في آية واحدة بل نهي واحد ورد في سورة الكريم يوسف؟ ألا وهي: (ولا تيأسوا).. يقول الله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] قالها يعقوب u وهو الذي فقد ابنه الحبيب، وفقد ابنه الآخر، وفقد عيناه، وفقد وحدة أبنائه ومحبتهم لبعضهم، قالها وهو يثق في أنّ الله لن يخذله..

المسلم وصورٌ من الواقع:

أيها المسلم مهما كان همُّك (ماديا أو معنويًّا) فلا تبتئس ولا تحزن ولا تيأس؛ فإذا كان اليأس في حقِّ أيّ مسلم حرام، فهو في حقك أشد حرمة..

  • لا تيأس من الفقر المادّي؛ فالفقير قد يغتني، لكن سل الله ولا تعجز.
  • لا تيأس وأنت ترى أهل الباطل يتمرّدون على أهل الحق ويعيثون في الأرض فسادًا.
  • لا تيأس وأنت ترى الفحش يتسلّط فيصير سُنّة، بينما صارت القيم بدعة عصرية.
  • لا تيأس فأشد ساعات الليل ظلمة هي تلك الساعة التي يعقبها بزوغ الفجر.
  • لا تيأس فمن وراء الشدة يأتي الفرج، ومن باطن المِحنة تتولّد المِنحة، ومع العسـر يأتي اليسر.
  • لا تيأس وطالِع تاريخ السابقين الأولين، وتعلّم من سِيَرِهِم كيف صمدوا وصبروا وتحمّلوا في وقت المعاناة والشدائد..

هل تذكــــر:

هل تذكر فتى الأخدود وما حدث معه: حتى نصـر الله به دعوة الحق وقضـى به على دعوة الباطل والظلم؟

هل تذكر أيوب u وقد اشتد به المرض زمنًا طويلا: ثم شكا إلى المولى ففرَّج عنه وعافاه؟

هل تذكر يونس u وقد رقد في مكان لم يصل إليه غيره: فعافاه الله من أن يهشم له الحوت عظمًا أو يأكل له لحمًا؟

هل تذكر زكريّا u كبير السّن وقد أصاب زوجه العقم: غير أن الله رزقه بالولد؟

قد تقول الآن: هؤلاء أنبياء، وتلك معجزات!!

غير أني أقول لك: إنّ ربهم في زمنهم هو ربنا في زمننا، القادر على إحداث التغيير في حياتهم هو نفسه القادر على تغيير أوضاعنا إلى الأفضل، لكن يبقى أن تتنفس الأمل في كل لحظة، وأن تجد عاملا باذِلا مجتهدًا في سبيل دعوتك ودينك، ولن يخذلك الله؟؟ فهل خذل الله وليًّا له يومًا؟!!

صناعة الأمل في حياة المسلمين:

يقول القائل: ترجو السعادة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على اليبَسِ

وما أحوجنا في زماننا هذا، وقد امتلأ بالكثير من الابتلاءات التي أقضت مضاجع الغيورين على دينهم وحرماتهم، زمنٍ استحكمت فيه الأهواء، وتمكّنت فيه السفاهات، وانتصر فيه الظلم البشع على الحق الضعيف، ما أحوجنا إلى تعلم فنون صناعة الأمل، ووسائل صناعة اليقين في الله تعالى..

فإن أردت -أخي المسلم- صناعة الأمل فخذ بالأسباب والوسائل المعينة على تحقيق الأمل ونبذ اليأس، ومن بين تلك الوسائل المساعدة ما يأتي:

  1. تنمية الإيمان اليقيني بالله تعالى؛ فمن رضي بالله ربًّا أيقن أنّه حكيم في قضائه وقدره، وأنه ما ابتلى أو أخّر نصرًا إلا لحكمة، قال تعالى: {مَا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179].. يقين يقودك إلى حُسْن الظنّ به U يزع الأمل في قلبك ويزيل آثار اليأس والتشاؤم. يقين يجعلك ترى من باطن الشدة فرجًا، ومع العسر يُسرًا، وتشمّ رائحة الخير من باطن الشـرّ، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]. ولذا لا يصح ولا ينبغي أن ينبني الأمل على الأسباب المادية وحدها؛ فالمؤمن لا ينسى ربَّه ولا يغفل عنه.
  2. الاستفادة من خبرات السابقين في محاربة اليأس وزراعة الأمل؛ يقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111] استفد من نبي الله موسى حين التقى الجمعان وباتت نبرات اليأس تتناقل في الأرجاء (إنّا لمُدركون) فقل بنفس راضية وبقلب قوي: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}. واقرأ سيرة حبيبك المصطفى e بطريقة عصريّة ستجد الشفاء والدواء.
  3. حُسْن قراءة التاريخ الإسلامي والإنساني: ستكتشف أنّ دوام الحال من المُحال، وأنّ أمورًا كانت معقّدة قد حُلّت عقدتها وفكّت ربطتها، فإلى كل قلب محترق!! إلى كل غيور على دينه!! انظر في مراحل التاريخ: فتنة ألمّت بالأمّة بعد وفاة الرسول وظنّ الناس ألا رجعة للدين في يوم الردّة، حتى انتصر الحق وانهزم البغي، وفتنة في زمن عثمان؛ فقد هاجت الفتنُ في الأمة بعد قتل عثمان t حتى قيل لا قرار لها ثم عادت المياه إلى مجراها. وتتوالى الفتوحات ليصل بنو عثمان قلبَ أوربا. وانظر معي: من كان يتخيّل أنه بعد قرابة قرن من الزمان وقد أُسِر المسجد الأقصـى أن يجعل الله تحريره على يد بطل كصلاح الدين بعد زمن طويل؟!! ولعلك تذكر أنّ نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي قد صنع منبرًا ليعتليه عند فتح بيت المقدس وتحرير الأقصى، في وقت كان المسرى مكبّلا بقيود الصليبيين،،،،،، وعاد المسجد الأقصى: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما *** يظنان كل الظن أن لا تلاقيا.. وانظر إلى شعوب كانت تتسلّط على أخرى: أين هي الآن من الأُمم والشعوب؟!! وانظر إلى تداول الأمم والشعوب اليوم في القيادة والسيطرة؟؟
  4. التخطيط والأخذ بالأسباب في علاج المشكلات: فإنّ المهموم الكئيب المستسلِم للشدائد لا يبني ولا يعمّر، ولا يستطيع إنسان أن يصل لمراده بلا تخطيط وتنظيم، فتعلّم مهارات إدارة الأزمات وتدرّب على حلّ المشكلات.
  5. صُحبة أهل الأمل والتفاؤل: فلا تجلس أخي الداعية مع مَن يقنِّطَك مِن كل جميل، أو يعمل على تشكيكك في المستقبل الموعود بنص القرآن والسنة، واستمع ماذا يقول ربُّك آمرًا حبيبه المصطفى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] فالمرء على دين خليله وصاحبه.
  6. التركيز على الإيجابيات لا السلبيات: أخي الداعية لا شك مع كثرة الهموم والسلبيات أن ثمت إيجابيات عدّة تملأ حياتنا الدعوية؛ فثبات بعض الدعاة على الحق، ووجود أمثالك في طريق الدعوة الآن، ومحبة كثير من الناس للخير والفضيلة، وتشوّق الكثير من أبناء المسلمين إلى رؤية نصر الله قريبًا... كل هذا يجعلنا نوقن بوجود إيجابيات تزيد الأمل وتشجّع على العمل.. وأسأل الله لي ولك صلاح الحال والمآل.

هيا أيّها المسلمون:

فلنؤذِّن للفجر على أذيال الليل المُنهزِم.. أيقنوا بنصر من الله قريب، ولا تجعلوا آلام الحياة تهزم آمالكم في الخالق الكبير المتعال Y.. تحرّكوا بهمّة السالك درب المنتصـرين لا المنهزمين.. زيدوا رجاءكم في ربّكم؛ فالرجاء في الله خير مأمول، فأملنا في الله عقيدة وعبادة، كلما أحاط بكم اليأس تذكروا: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله} إننا أمة تمرض، لكن لا تموت!! أمّتكم تنتظر همّتكم، فازرعوا فسيلتكم ولو كانت الساعة تقوم، كما قال المصطفى الحبيب e: (إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها). لا ينقطع أملكم في الله بسبب اليأس من الحلّ والمخرج من الأزمات؛ فقد جرّبنا اليأس ولم يصنع شيئًا، فلنجرّب الأمل تعبّدًا لله تعالى، على طريقة أبي يوسف {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} ستنتصر أمّتنا حتمًا ولا بدّ، وستعود الحقوق المغتصبة لأصحابها، {وَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.. نسأل الله تعالى أن يزيدنا يقينًا في وعده، وصبرًا على البلاء، وأن يُفرِّج الكرب عن كل مكروب..

د. عادل عبدالله هندي - مدرس بكلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة - جامعة الأزهر الشريف