القرآن الكريم وترسيخ القيم الإيمانية والإنسانية

القرآن الكريم وترسيخ القيم الإيمانية والإنسانية

حاجتنا إلى معايشة القرآن الكريم:

1/ معايشة القرآن الكريم من أجلِّ الأعمال التي يتصف بها المؤمنون، قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ"( فاطر: 29 ، 30) فالله - تبارك وتعالى- يشيد في هاتين الآيتين بالتالِينَ لكتابه، تلاوة مصحوبة بالتدبر الذي ينشأ عنه الإدراك والتأثر، ومما لا شك فيه أن التأثر يفضي بالقارئ -لا محالة- إلى العمل بمقتضى قراءته.

2/ القرآن الكريم مُتَعبد بتلاوته، مأجور من قرأه ابتغاء وجه الله تعالى الكريم مأجور على حروفه الحرف بعشر حسنات كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» سنن الترمذي/ صحيح.

3/ تلاوة القرآن الكريم تزيد المؤمن إيمانًا بالله وتوكلاً عليه كما قرر الله ذلك فى قوله تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"( الأنفال: 2)

4/ القرآن الكريم فيه كل مقومات التربية التي تصنع رجال العقيدة وتفجر فيهم طاقات الخير:" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا"( الإسراء: 9)

5/ القرآن شفاء ورحمة: قال تعالى: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا"( الإسراء: 82)

6/ القرآن الكريم للإنسان كالروح للجسد والنور لكل الظلمات: وصدق الله إذ يقول : " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ " (الشورى 52-53 )

7/ الداعي الى الله يجد فى القرآن، خير عون وخير زاد له في دعوته حيث يتعرف على أسلوب الدعوة الصحيح عل لسان الرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ والدعوة لا تقوم إلا على بصيرة:" قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ"( يوسف: 108)

تعالوا نحسن تعاملنا مع القرآن: فلو قدر القارئ ربه حق قدره وخشى الله لتأثر بالقرآن واقشعر جلده عند تلاوته أو سماعه فالله تعالى يقول : "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ"( الزمر: 23)، لو أحسنَّا الصلة بآية واحدة من كتاب الله لسرى تأثيرها وهزت المشاعر وأنارت القلوب كتيار الكهرباء حينما يحدث الاتصال تسرى الكهرباء وتنير وتولد الطاقات أما وجد العازل لم يسر التيار ولم يحدث له أى تأثير.

من واجبنا نحو القرآن الكريم: أن نتربى على قيم القرآن الكريم: أخرج الإمام أحمد وابن راهوية في مسنديهما بسند صحيح إلى سعد بن هشام قال سألت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله فقالت: أما تقرأ القرآن فقلت: بلى فقالت: إن خلقه كان القرآن، وفي رواية أما تقرأ قول الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) قال بلى قالت كان خلقه القرآن، وفي رواية أما تقرأ قول الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) إلى قوله (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) قال بلى قالت فإن خلقه كان القرآن.

من القيم القرآنية الكريمة التي نؤكد عليها:

أولًا: قيمة الرحمة:

  • فالله تعالى هو الرحمن الرحيم :قال تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ }( البقرة: 163)
  • ورحمته – صلى الله عليه وسلم – تشمل كل ذي روح وتغمر كل حي: قال تعالى:       {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}( الأنبياء: 107)
  • والرحمة هي صفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التي لم تفارقه قط في كل سيرته، وفي كل مراحل حياته وأحواله، وهو القائل:( يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)( النسائي) ومنهجه – صلى الله عليه وسلم – هو الرحمة للبشرية كلها - قال تعالى:{ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(البقرة: 38) ومن رحمته – صلى الله عليه وسلم - بالناس تحريم الدماء والأموال، والوصية بالوالدين والأرحام وبالنساء والأطفال والضعفاء واليتامى والمرضى وغير ذلك.
  • وفي اتباع القرآن الكريم وطاعته – صلى الله عليه وسلم – الرحمة للفرد والأمة: قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(الأنعام : 155).
  • دعاؤه – صلى الله عليه وسلم – لمن أشفق على الرعية: ولذلك جاء في دعائه – صلى الله عليه وسلم :( اللهم من ولى من أمر أمتى شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولى من أمر أمتى شيئًا فرفق بهم فارفق به)( أحمد)
  • حملة الجمعية الشرعية لجمع المال لصالح المراكز الطبية.. أبواب رحمة: فحملة جمع التبرعات لدعم المراكز الطبية للجمعية الشرعية (حضانات المبتسرين، غسيل الكلى، الأشعة التشخيصية وغيرها) من أبواب الرحمة والمغفرة والسعادة التي فتحها الله لعباده الصالحين الذين يريدون خيري الدنيا والآخرة لأنفسهم ولأهليهم ولمجتمعهم، فمن أراد أن يفرج الله كربه، وييسر له أمره، ويستره في الدنيا والآخرة فليجعل لنفسه صدقة جارية في هذه المشروعات التي تقوم على علاج غير القادرين بالمجان، ليكشف الكرب عن المكروبين، ويخفف الألم عن كل المرضى الذين أعياهم المرض، وأقعدتهم الحاجة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ} ( سنن أبي داود ).

ثانيًا: قيمة الصدق: فالصدق أُس كل فضيلة, فلذا مدحه الله في مواطن كثيرة جليلة, منها, قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}( التوبة: 119), وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» البخاري. والصدق مراتب: قال الغزالي في " الإحياء" اعلم أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان: صدق في القول, وصدق في النية والإرادة, وصدق في العزم, وصدق في الوفاء بالعزم, وصدق في العمل, وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها. فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق,.. ثم هم أيضًا على درجات.

ثالثًا: قيمة العدل: فالعدل أساس العزة والقوة والمنعة، وإذا ضاع العدل فى الأمة كان الخسار والدمار السريع الشنيع، وإن الحق سبحانه وتعالى من أسمائه الحسنى وصفاته العلى «العدل»، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}(النساء:58،59)، وقال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ}(النحل:90)، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا " البخاري.

رابعًا: التعايش السلمي و التعامل الإنساني: أي الالتزام بالقيم والحقوق الإنسانية، والتضامن في تحقيق مقاصد الشريعة(حفظ الدين، النفس، المال، العقل، العرض) في واقع الناس، بغض النظر عن الدين أو الجنسية، أو اللون، وقد وردت النصوص الكثيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة في ذلك، ولنا القدوة في النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» البخاري، ووثيقة المدينة، خير دليل للتطبيق العملي للتعايش السلمي والمشاركة المجتمعة والتعامل الإنساني مع كل البشر.