فقه الأولويات وأهميته في حياة الداعية

فقه الأولويات وأهميته في حياة الداعية

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آلة وصحبه أجمعين.
 اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وفقهاً في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين، وبعد :  

فإن الفقه فى الدين كالمظلة لا يعمل إلا إذا انفتح ، وانفتاح الفقه يحتاج إلى تجديد أبنيته ومنها :

1ـــ بناء مَلَكَة التفكير الفقهي : لأن الفقه راجع في أصل معناه إلى (الفهم)؛ فهو نوع من ممارسة التفهم في نصوص الشرعية، وعملية التفكير هذه لا تتأتَّى من خلال التلقين المجرد للفروع الفقهية، وإنما من خلال توجيه الدرس الفقهي إلى حَلْقات علمية خاصة تهتم بتطوير عقلية المتفقه الجديد وتمرينها حتى تكتسب القدرة العالية على معالجة المسائل وإدراكها.

وحتى يتمكن من ذلك كان لابد من تحديد الميدان المناسب، الذي يساعد على تقوية تفكير الفقيه وتتضح معالمه فيما يلي:

2 - بناء الملَكة التي تعتمد على إرجاع فروع الشريعة إلى كليَّاتها العامة: وذلك حتى يُعرفَ مدى اطراد التشريع الإسلامي، ويتمكن الفقيه من إرجاع الفروع بعضها إلى بعض .

3 ــ تنمية مهارة التواصل الفقهي مع الجماهير بما يملكه من عالمية الخطاب مع مراعاته لأبعاد هذا الخطاب فقد يقدم وقد يؤخر : يقول ابن تيمية: «وإنما ننبه على عِظَم المصلحة في ذلك بياناً لحكمة الشرع؛ لأن القلوب إلى ما فهمت حكمته أسرع انقياداً ، والنفوس إلى ما تطَّلع على مصلحته أعطش أكباداً» . ويقول أيضا : (يقول: «الاعتماد على الأجوبة العلمية يكون على ما يشترك الناس في علمه، لا يكون بما اختص بعلمه المجيب؛ إلا أن يكون الجواب لمن يصدقه فيما يخبر به» ويقول أيضا : («فالعالِم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخَّر الله - سبحانه - إنزالَ آياتٍ، وبيان أحكام إلى وقت تمكُّن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيانها... ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فَعَل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا داخل في قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16][25]، وفي سير الأنبياء ثروة عظيمة من سنن التغيير في المجتمعات استفادت منها مجموعة من الدراسات الإسلامية التي كتبت في (علم الاجتماع).

ومن ثم كان الوعى التام بالفقه وموازينه وأولوياته ضرورة علمية وعصرية ؛ وبخاصة للذين يريدون خدمة دينهم وأمتهم وأوطانهم ، فالفقه يمنحهم رؤية واضحة بمعالم المنهج وأصوله وقيمه ومبادئه . هذا المنهج الذى يجمع بين حال القلب وعمل الجارحة وتحقيق المقصد ؛ ذلكم لأن خدمة الاسلام تحتاج الى داعية يجمع بين عنصرين لا يغني احدهما عن الآخر .. الاول : الاخلاص العميق لله ، و الثاني : الذكاء العميق و الفهم الناضج في رؤية الاشياء على طبيعتها .

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (تَفقَّه قَبْلَ أنْ تَرأسَ، فإذا رأستَ فلا سبيلَ إلى التَّفَقُّه).

وغالبا ما يدرس الدعاة نوعين من الفقه هما: فقه العبادات وفقه المعاملات، لكن هناك أنواعاً من الفقه ذكرها العلماء وبحثوا فيها ونحن في غياب عنها مثل :

  • فقه معرفة الله عز وجل 2- فقه معرفة سنن الله .3 - فقه الحسبة ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) . 4 - فقه الأولويات والموازنات . 5- فقه التوازن . 6 - فقه التدرج . 7- فقه التكامل : شمول الإسلام بكامله . 8 - فقه تطوير الخطاب الديني . 9- فقه الحكمة .10 - فقه التسخير . 11 - ملاحظة الفرق بين فقه الواقع وفقه الشرع . 12 - فقه النقد والنصح والتصحيح . 13 - فقه المصالح المرسلة . 14 - فقه التربية والتزكية .15 - فقه الفطرة .16 - فقه التيسير والوسطية .17 - فقه التعامل مع التعدديات .18 - فقه الآداب والسلوك .19 - فقه السلم والحرب .
  • - فقه المصالح المشتركة . 21 - فقه العلاقات الخارجية . 22 - فقه الاختلاف .
  • - فقه الشرع .
  • - فقه الأولويات : هو الفقه الذي يعنى بوضع كل شيء في مرتبته ، فلا يؤخر ما حقه التقديم أو يقدم ما حقه التأخير ، ولا يصغر الأمر الكبير أو يكبر الأمر الصغير

- ومما يتصل بفقه الأولويات :   1- فقه الموازنات .      2- فقه الواقع .     3- فقه الشرع .

1- فقه الموازنات : هو الفقه الذي يوازن بين المصالح مع بعضها البعض والمفاسد مع بعضها البعض وبين المصالح والمفاسد .

2- فقه الواقع : هو دراسة الواقع المعيشي دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع معتمدة على أصح المعلومات وأدقها .

3- فقه الشرع : هو فهم النصوص ومقاصدها ودراستها .

إن الفقه ليس محصوراً في بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالطهارة والعبادات والمعاملات والميراث وغيرها .. بل يجب أن يكون الداعية ملمّاً بقدر معقول من هذه الفقهيات التي ذكرت آنفاً وإلا ضلّ وأضلّ ، ومشكلة الكثير من الناس اليوم هي إقحام أنفسهم في مسائل وفتاوى لو عُرضت على أمير المؤمنين عمر رضى الله تعالى عنه ،لجمع أهل بدر واستشارهم .

وهناك فتوى للإمام البيهقي صاحب السنن أنه عندما سأله أحد الناس يوماً قال : يا سيدي ما فضيلة الصلاة في الصف الأول ؟ فنظر إليه وعلم بأنه كان يأكل الربا والحرام فقال له : يا هذا ليكن درهمك حلالاً وصلّ في الصف الأخير .

والأولويات في الحياة الدنيا أمر معهود قبل الأحكام ، فهناك أولويات في الحياة وفي الشرع ، وميزان للأولويات كثيراً ما يغيب عنا .

إن فقه الأولويات قد غاب عند الكثير من الناس والدعاة والعوام ، فالمسلمون في مكة لم يشتغلوا بالجزئيات وإنما اشتغلوا ببناء الإنسان ، فقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم مدة ثلاثة عشر عاماً يشتغل في بناء الإنسان لأنه هو الأساس في بناء الحضارات ، ولم يحمل المسلمون سلاحاً لتكسير الأصنام بل كان النبي r يصلي أمام الكعبة والأصنام فيها وحولها ، بل لما فكر بعض شباب المسلمين أن يحملوا السلاح للدفاع عن عقيدتهم نزل قوله تعالى : } كُفّوَاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ { (3) لأن الأولويات حين ذلك كانت للعقيدة ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما بين مشجوج ومجروح ، ولقد قال خباب بن الأرت يوماً للنبي r  ( ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو الله لنا ؟ قال : { كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ } (4) فالآن الأولوية للعقيدة فهي مقدمة على العمل لأنها الأساس الذي ينبني عليها الأحكام .

ولما جعل المشركون بناء المسجد الحرام وسقاية الحاج كالإيمان بالله نقض القرآن مقولتهم في قوله تعالى: } أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ { .

وقد رأى أحد الدعاة المبتدئين رجلاً يصلي الجمعة وبيده خاتم من ذهب - ومعلوم أن الذهب محرم بالحديث الصحيح - فأراد أن يكلّمه عن الخاتم مباشرةً لأنه لم يعرفه ولم يدرس حالته فلم يعرف أن هذا الرجل لم يدخل إلى المسجد إلا هذه المرة ، لكن هناك من همس في أذنه بأنها المرة الأولى التي يدخل فيها الرجل إلى المسجد وأنت تريد وبعجالة نهيه عن لبس الخاتم الذهب ، فلو أدرك هذا الداعية فقه الأولويات والواقع لأخّر هذا الأمر إلى أن يختمر الإيمان في قلب ذلك الرجل .

ولقد تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن " جريج " من بني إسرائيل أنه عندما كان { يُصَلِّي فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا فَقَالَ : أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي ، ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ} فاستجاب الله للأم دعاءَها وامتُحن الابن ، وعاب النبي عليه الصلاة والسلام : بأنه كان يجب عليه أن يردّ على أمه وأن استجابته لأمه خير من صلاة النافلة .

ولقد ( مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَةٌ فَأَعْجَبَتْهُ لِطِيبِهَا فَقَالَ : لَوْ اعْتَزَلْتُ النَّاسَ فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ وَلَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللهِr- كعادة الصحابة -  فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ r فَقَالَ : { لا تَفْعَلْ فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا } ) .

واختلف العلماء في أفضل العبادات وهو ما نقله ابن القيم في أحد كتبه أقوالاً منها : ( أن أفضل العبادات ما كان أشد على النفس ، ومنها : أن أفضلها ما كان أنفع للغير ، ومنها : أنها ما كانت مطلقة أي في وقتها ) .

من المقرر فقهاً : أن النافلة لا يجوز تقديمها على الفريضة وأن فرض العين مقدَّم على فرض الكفاية، وأن فرض الكفاية الذي لم يقم به أحد أو عدد يكفي مقدم على فرض الكفاية الذي قام به من يكفي ويسد الثغرة، وأن فرض العين المتعلق بالجماعة أو الأمة مقدم على العين المتعلق بحقوق الأفراد ، وأن الواجب المحدد بالوقت مقدم على الواجب الموسع في وقته .. وأنه إذا ساد الناس مجاعة فليست العبادة أن تصوم لكن العبادة أن تطعم رغيف خبز فهو أفضل من الصيام في هذه الحال .

ولقد ذكرت السيدة جويرية رضى الله تعالى عنها : { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ : مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ النَّبِيُّ r : لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ } أربع كلمات تعدل جلوسها لمدة أربع ساعات تقريباً .

وإن غياب فقه الأولويات عن الأمة يسوقها إلى كثير من الأمور التي لا يُحمد عقباها ، ولقد ذُكر عن أحد العلماء أنه دخل إحدى القرى فرأى الناس يتشاجرون في شأن صلاة التراويح هل هي ثمانية أم عشرون ! وسألوه فقال لهم : قبل أن أجيب أريد أن أطرح عليكم أسئلة ، فقالوا : تفضل ، فقال : صلاة التراويح سنّة أم فرض ؟ قالوا : بل سنّة ، فقال : وحدة المسلمين سنّة أم فرض ؟ فقالوا : بل فرض ، فقال : إذن فليصلّ كل منكم في بيته واتركوا صلاة التراويح .. انظروا إلى هذا الأفق عند هذا العالم الجليل الذي أراد أن يعلّمهم بأن الأولوية للأمور العامة على الأمور الخاصة ، ووحدة المسلمين خير من التشاجر .

ولقد سُأل عطاء بن رباح مفتي مكة يوماً عن حكم قتل الذباب في الحرم ،  فقال : ممن القوم ؟ قالوا : من العراق ، فقال : الله الله يا أهل العراق قتلتم الحسن والحسين وتأتون الآن لتسألوا عن حكم قتل الذباب في الحرم !.. وإن كثيراً من الناس اليوم من يعتمر ويحِج المرة الأولى والثانية والثالثة والعاشرة ، وكثير من الناس من هو محتاج إلى المال ..

وإن من فقه الأولويات : أن نعرف أي القضايا أولى بالاهتمام فتعطى من الجهد والوقت أكثر مما يعطى غيرها .

جاءت امرأة يوماً إلى الشيخ أبي الخير الميداني – أحد علماء دمشق رحمه الله – فقال : إن زوجي يمنعني من قيام ليلة القدر في المسجد وإني أريد ذلك ، فقال لها : ألكِ أولاد صغار ؟ فقالت : نعم ، فقال : إن قيامك ليلاً بتغطية أحد أولادك أفضل من قيامك الليل ..

ومن فقه الأولويات : أن نعرف واجب الوقت فنقدّمه على غيره ، ولا نؤخره فنفوت الفرصة فلا تعود ( عبادة الوقت ) وقد قال أبو بكر رضى الله عنه : ( إن لله عملاً بالليل لا يفعله بالنهار ، وعملاً بالنهار لا يفعله بالليل ) وقال ابن عطاء : ( حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها وحقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها ، إذ ما من وقت يرد إلا ولله فيه حق جديد وعمل أكيد ) .

وقال الإمام الغزالي منكراً على بعض المغرورين بالعبادة دون مراعاة لمراتب الأعمال : وفرقة أخرى حرصت عل النوافل ولم يعظم اعتدادها  بالفرائض ، نرى أحدهم يفرح بصلاة الفجر وبصلاة الليل ومثل هذه النوافل ولا يجد لفريضة لذة ولا يشتد حرصه عل المبادرة بها في أول الوقت وينسى قوله تعالى في الحديث القدسي : { وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ} .

وقال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه : ( ما لك لا تنفذ الأمور ؟ فوالله لا أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق ) فقال عمر : ( لا تعجل يا بني ، فإن الله ذمّ الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة ، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيكرهوه جملة ، ويكون من ذا فتنة ) .

أقوال بعض العلماء حول مراعاة العلماء لمصالح الناس :

قال ابن تيمية : ( فَالتَّعَارُضُ إمَّا بَيْنَ حَسَنَتَيْنِ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا ؛ فَتُقَدَّمُ أَحْسَنُهُمَا بِتَفْوِيتِ الْمَرْجُوحِ وَإِمَّا بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ لا يُمْكِنُ الْخُلُوُّ مِنْهُمَا ؛ فَيَدْفَعُ أَسْوَأَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا ، وَإِمَّا بَيْنَ حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ لا يُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ؛ بَلْ فِعْلُ الْحَسَنَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُقُوعِ السَّيِّئَةِ ؛ وَتَرْكُ السَّيِّئَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَرْكِ الْحَسَنَةِ ؛ فَيُرَجَّحُ الأَرْجَحُ مِنْ مَنْفَعَةِ الْحَسَنَةِ وَمَضَرَّةِ السَّيِّئَةِ ) .

- يقول ابن القيم : ( فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور عن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل ) .

- ويقول العز بن عبد السلام: (لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة عن نفس الإنسان وغيره محمود حسن ، وأن تقديم المصالح فأرجحها محمود حسن ، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن ، وأن تقديم المصالح الراجحة على المرجوحة محمود حسن ، وأن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن ، واتفق الحكماء على ذلك وكذلك الشرائع على تحريم الدماء والأبضاع والأموال والأعراض ، وعلى تحصيل الأفضل فالأفضل من الأقوال والأعمال .. وكذلك الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما ، ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين ولا يبالون بفوات أدناهما ، ويتوقفون عند الحيرة في التساوي والتفاوت ، فإن الطب كالشرع وضع لجلب السلامة والعافية ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك ولجلب ما أمكن جلبه من ذلك ) .

ويقول ابن تيمية : ( أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا وَأَنَّهَا تُرَجِّحُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ وَتَحْصِيلِ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَتَدْفَعُ أَعْظَمَ المَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا ) .

ورحم الله الشاعر حيث قال :

إن اللبيب إذا بدا من جسمه             مرضان مختلفان داوى الأخطرا

فالعاقل إذا أصابه مرض في رجله        ومرض في قلبه اشتغل بقلبه أولاً .

- حالات التعارض :

أ- أمثلة التعارض بين حسنتين :

1- التعارض بين قضاء الدين وصدقة التطوع : فكلاهما حسنة محببة ، لكن قُدم قضاء الدين على الصدقة لرجحانه .

2- التعارض بين نفقة الأهل ونفقة الجهاد الكفائي كبناء المدارس والمساجد ونحوها : فكلاهما حسنة طيبة ولكن قُدم الأول على الثاني لأن الأول فرض عين والثاني فرض كفاية .

3- التعارض بين بر الوالدين والجهاد الذي لم يتعين ( الكفائي ) : نقدِّم بر الوالدين لما روي عن أبي سعيد الخدري رضى الله تعالى عنه { أَنَّ رَجُلاً هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ r مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ : هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ ؟ قَالَ : أَبَوَايَ ، قَالَ : أَذِنَا لَكَ ؟ قَالَ : لا ، قَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا ، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلا فَبِرَّهُمَا } فإن ذلك خير ما تلقى الله تعالى به بعد التوحيد .

4- التعارض بين ما كان مفروضاً فرضاً حتمياً وعلى الفور كبرّ الوالدين وما كان مفروضاً على التراخي عند بعض العلماء كالحج : يقول الإمام أبو حامد الغزالي : المبادرة إلى الحج الذي هو فرض الإسلام نفل بالنسبة لبر الوالدين واستئذانهما لأن البر فرض حتمي وعلى الفور ، والحج فرض على التراخي والتأخير ، ومن ذلك قول الغزالي بأن ( أكثر العلماء على أن طاعة الوالدين واجبة في الحرام المحض لأن ترك الشبهة ورع ورضا الوالدين حتم ) .

5- في حالة التعارض بين إنقاذ الغرقى وأداء الصلاة : تقدّم إنقاذ الغرقى لأن إنقاذ نفس مسلمة أعظم عند الله تعالى من أداء الصلاة .

6- في حالة التعارض بين الواجب والمستحب : تترك المستحبات من أجل فعل الواجبات ، ولذلك أفتى ابن تيمية بترك المستحبات من أجل تأليف القلوب ، فبعدما تعرّض لمسألة الجهر بالبسملة وذكر أقوال العلماء فيها قال : ( ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعلٍ مثل هذا ، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما رأى في إبقائه من تأليف القلوب ، وكما أنكر ابن مسعود رضى الله تعالى عنه على عثمان رضى الله عنه إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متمماً وقال : الخلاف شر .

7- ومثل تقديم الأهم على المهم كتقديم الصحابة نصب الخليفة وإقامة الخلافة في ثقيفة بني ساعدة على دفن النبي r لأنهم قد رُتبت الأولويات عندهم وعلموا أن هناك مهماً ولكن هناك ما هو أهم من المهم ، ولذلك فما تصوروا أن تستقيم حياتهم بغير خلافة وخليفة وبغير حكومة وإمارة ، وهذا يسمى عندنا بالفراغ الدستوري .

لأجل هذا كله يمكن أن تفوت المصلحة الدنيا لتحقيق المصلحة العليا ، ويضحى بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة ، وتقدم مصالح الأمة على مصالح الأفراد والأشخاص ، وترجئ المصلحة الطارئة المؤقتة لتحقيق المصلحة الدائمة المستمرة ، وتؤخر المصلحة الشكلية لتحقيق المصلحة الجوهرية .

ولقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم ضحّى بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة يوم أن قبِل شروط صلح الحديبية على ما فيه من ظلم وإجحاف ، بل وتنازل عن كتابة البسملة وعن نعته بصاحب الرسالة .

وعمر بن الخطاب رضى الله عنه يقدّم مصلحة الشعب والجماعة على مصلحة الأفراد والأشخاص ، ويضحّي بالمصلحة الطارئة من أجل المصلحة المستقبلية ، ولذلك نراه يتوقف في توزيع الأرض المفتوحة على الفاتحين لأنه رأى إن هو وزعها على الجيل الحاضر فستضيع الأجيال القادمة ، ولهذا قال : ( إنني إن قسمتها بينكم جاء آخر الناس وليس لهم شيء ) وأيّده في ذلك معاذ بن جبل وقال له محذراً من الاستجابة لرغبة المطالبين بالقسمة والتوزيع ، ولذلك نرى أن كثيراً من الخلافات بين العاملين في الحقل الإسلامي ترجع إلى غياب فقه الموازنات .

ب- التعارض بين سيئتين : ومثاله فتوى عثمان رضى الله عنه بتحريق المصاحف لدفع الفتنة والشر المستطير بين الأمة .

ج- التعارض بين حسنة وسيئة : لا يمكن الجمع بينهما بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة .. فماذا نعمل ؟ قال ابن تيمية : نرجِّح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة أي نوازن بين الحسنة المتحققة والسيئة المتحقِّقَة .

ومن أمثلة التعارض بين السيئة والحسنة : النيل من النبي ، والنطق بكلمة الكفر سيئة عظيمة غير أن النبي صلى الله عليه وسلم أجازه عند جلب المصلحة ودرء المفسدة ، ويدخل في هذا الباب أيضاً تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة ، روى البخاري عن ابن عباس رضى الله عنه قال : { أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ وَرَسُولُ اللهِ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ } .

علّق الإمام ابن حجر على مرور ابن عباس بقوله : ( قيل فيه جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الحقيقية لأن المرور مفسدة حقيقية والدخول في الصلاة مصلحة راجحة ، واستدل ابن عباس على الجواز بعدم الإنكار لانتفاء الموانع إذ ذاك ، ولا يقال منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة لأنه نفى الإنكار مطلقاً فتناول بعد الصلاة ، وأيضاً فكان الإنكار يمكن بالإشارة ) .

كثير من الناس الآن وهذا ما نراه في المساجد وللأسف وهو عضو لجنة جامع يذهب إلى مديرية الأوقاف ليأخذ مسجداً ن فربما يرشي أحياناً ويفعل الحرام من أجل أن يأخذ جامعاً كبيراً ، يفعل الحرام والمخالفات من أجل أن يجمع للمسجد  وقد قال ابن عمر رضي الله عنه : (ردّ دانق من غير حله أفضل من سبعين حجة ) .

من أقسام الأولويات :

أ- الأولويات في الحياة :

1- أولوية القول على القائل . 2 - أولوية الكيف على الكم . 3- أولوية العمل على العلم . 4 - أولوية الفهم على مجرد الحفظ . 5 - أولوية الاجتهاد على التقليد . 6 - أولوية العمل الدائم على العمل المتقطع . 7 - أولوية التخفيف على التشديد . 8 - أولوية العمل المتعدي على العمل القاصر . 9 - أولوية العمل الأطول نفعاً والأبقى أثراً . 10 - أولوية عمل القلب على عمل الجوارح . 11- أولوية المضمون على الشكل .

ب- الأولويات في مجال الإصلاح :   - تغيير النفس قبل تغيير الأنظمة والأمة قبل الدولة . يقول الشيخ محمد الغزالي : (ما زلت أؤكد أن العمل الصعب هو تغيير الشعوب أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائياً عندما تريد الشعوب ذلك ) .

ج- الأولويات في مجال المأمورات :

1- أولوية الأصول على الفروع . 2 - أولوية فرض العين على فرض الكفاية .

3- أولوية حقوق العباد على حق الله تعالى المجرد . 4 - أولوية حقوق الجماعة على حق الفرد . 5 - أولوية الولاء للدين على الولاء للقبلية والفرد . 6 - أولوية الفرائض على السنن والنوافل .

اللهم علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وفقهاً في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

بقلم: أ.د / محمد عبد رب النبي – مستشار الفقه وأصوله بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية