الأمر بالإصلاح والنهي عن الإفساد في الأرض

الأمر بالإصلاح والنهي عن الإفساد في الأرض

رسالة المسلم في الحياة الإعمار لا الإفساد:

قال تعالى:" هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" سورة هود. وقد ورد الإصلاح في القرآن الكريم في مواضع متعدّدة، منها قوله تعالى على لسان موسى- عليه السّلام- يوصي أخاه هارون: " وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (الأعراف/ 142) . وهو هنا بمعنى الرّفق. ومنه قوله تعالى على لسان نبيّ الله شعيب عليه السّلام: " قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" (هود/ 88) . ومنه قوله تعالى: "وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها "(الأعراف/ 85) . ومنه قوله تعالى: " وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ" (هود/ 117) والإصلاح هنا بمعنى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

الإصلاح والعمل الصالح من شروط قبول التوبة، قال تعالى:" إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" سورة البقرة.

ثواب الإصلاح والمصلحين: قال تعالى:" وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ" سورة الأعراف.

النهي عن إيذاء الآخرين: قال تعالى:" وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً" سورة الأحزاب.

النهي عن الاعتداء:" وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ" سورة المائدة

وجوب إصلاح الأرض والنهي عن الإفساد فيها: قال I:] وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا[(الأعراف:56) أي : "ولا تفسدوا في الأرض الصالحة بإشاعة المعاصي والظلم والاعتداء " ([1]).

من مقتضيات الإيمان عدم الإفساد في الأرض: قال I:] وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [(الأعراف: 85) أي: ولا تفسدوا في الأرض الصالحة بإفساد الزرع ونحوه، وبقطع الأرحام والمودة، فإن ذلك خير لكم إن كنتم تؤمنون بالله I وبالحق المبين.([2])

من صفات المنافقين الإفساد في الأرض: قال I:] وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [             (البقرة: 11: 12), وقال I:] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ[(البقرة: 204 ,205) أي إنه لا يسعى للإصلاح بل للإفساد وإهلاك الزرع والنسل.

الإفساد في الأرض من أسباب الخسران: قال I:] الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[( البقرة: 27) "فهم يفسدون فى الأرض بسوء المعاملات وبإثارة الفتن وإيقاد الحروب وإفساد العمران، أولئك هم الذين يخسرون بإفسادهم فطرتهم وقطعهم ما بينهم وبين الناس ما يجب أن يكون من تواد وتعاطف وتراحم، ويكون مع ذلك لهم الخزي فى الدنيا والعذاب فى الآخرة".([3])

الذنوب والمعاصي على الأرض سبب للعقوبة: فالله I يقول:] فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [(العنكبوت: 40) وعَنْ ثَوْبَانَ ط قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ <: « إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»([4]) فالذنوب مانعة لكل خير جالبة لكل شر فمن الخير الذي يمنعه الرزق فإنها تحول بينه وبين العاصي.

الذنوب سبب ظهور الفساد في الأرض: يَقُولُ I:]ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[(الروم: 41) أي: ظهر الحرق والقحط والآفات وكساد التجارة والغرق بسبب ما فعله الناس من جرائم وآثام، ليعاقب الله الناس فى الدنيا ببعض أعمالهم لعلهم يرجعون عن المعاصي.([5])

عذاب من منع إنسان أو حيوان من الأكل من خيرات الأرض: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ب عَنِ النَّبِيِّ < قَالَ: « دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ»([6]) وفي هذا دلالة واضحة على أن تعذيب الحيوان بلا سبب معصية تستوجب العقاب، وكذلك قتله إذا لم يكن مؤذيًا. وهذا يدخل في عموم قوله I:]فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [(الزلزلة: 7، 8)، والحديث يتوعد بالعذاب الشديد من يؤذي الحيوان ويوجب علينا الإنفاق عليه أو تركه يسعى في رزقه.([7])، وإن كان هذا العذاب لمن عذب حيوانًا، فما بالنا بمن عذب إنسانًا ظلمًا وعدوانًا

لولا الدعوة إلى الله لفسدت الأرض: قال I: ]وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[(البقرة: 251).

ذو القرنين من نماذج المصلحين في الأرض: إن الله I مكّن لذي القرنين، وآتاه ملكًا عظيمًا بلغ المشرق والمغرب، وأعطاه من كل ما يتعلق بمطلوبه طريقًا «سببًا» يتوصل به إلى ما يريده، ويحقق أهدافه, كما جاء في تفصيل القصة في سورة الكهف, من قوله I: ]وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [(الكهف: 83), حتى قوله I: ]قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا[(الكهف: 98)

من يتولى خزائن الأرض يجب أن يتصف بالأمانة والكفاءة: ومن النماذج في ذلك , الصديق يوسف ؛ قال I: ]قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ[(يوسف: 55).

 

[1] المنتخب في تفسير القرآن الكريم – ج 1 ص : 214

[2] المنتخب في تفسير القرآن الكريم - ج 1 ص 218

[3] المنتخب في تفسير القرآن الكريم- ج 1 ص 8

[4] : صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ذِكْرُ الْإِخْبَارِ عَمَّا يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالْبِرِّ - بَابُ الْأَدْعِيَةِ872 -

[5] - المنتخب في تفسير القرآن الكريم – ج 1 ص 608

[6] - البخاري – كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ - بَابٌ: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ - رقم / 3318

[7]- محمد عبد العزيز بن علي الشاذلي الخَوْلي «المتوفى: 1349هـ» – الأدب النبوي- ج1 ص 43 دار المعرفة – بيروت- الطبعة: الرابع، 1423هـ.