السماحة خلق ديني... وسلوك إنساني

السماحة خلق ديني... وسلوك إنساني

أولا: حقيقة السماحة: يقول ابن فارس السماحة تدل على معنى السّلاسة والسّهولة، وقال ابن الأثير: الجود عن كرم وسخاء، ومن المعاني أيضًا: سماحة المسلمين الّتي تبدو في تعاملاتهم المختلفة سواء مع بعضهم أو مع غيرهم من أصحاب الدّيانات الأخرى.

ثانيًا: معالم السماحة في الإسلام:

1/ السماحة صفة يحبها الله تعالى: عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: قيل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيّ الأديان أحبّ إلى الله. قال: «الحنفيّة السّمحة». أحمد. وورد في البخاري «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله-: قوله (أحب الدين) أي خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحًا- أي سهلاً- فهو أحب إلى الله، ومن أسماء الله الحسنى:" الرحمن، الرحيم، الرءوف، العفو، الغفور، الودود، السلام..."

2/ السماحة: من أخص صفات الرسول – صلى الله عليه وسلم – حتى مع أعدائه.

3/ السماحة خلق يسع ويتسع حتى يتجاوز الإنسان إلى الحيوان: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» مسلم

4/ السماحة من سبل النجاة من النار: عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أخبركم بمن يحرم على النّار، أو بمن تحرم عليه النّار: على كلّ قريب هيّن سهل» الترمذي (2488) وقال: هذا حديث حسن غريب.

5/ السماحة من سمات عباد الرحمن:" وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا"( الفرقان: 63)

6/ بالسماحة تصفو القلوب: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ". قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: "هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ" سنن ابن ماجه/ صحيح.

ثالًثا/ مجالات وأبواب السماحة:

1/ السماحة مع الوالدين: " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا " ( الإسراء: 23)

2/ السماحة في التعامل مع الزوجات: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» البخاري.

3/ السماحة مع الأرحام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» مسلم.                  ومن النماذج: ( الصديق يوسف مع إخوته – الرسول – صلى الله عليه وسلم – مع أرحامه وعشيرته)

4/ السماحة مع الخادم والأجير: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللهِ مَا قَالَ لِي: أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟ مسلم.

5/ التيسير أو التجاوز عن المعسرين: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» مسلم.

6/ الرفق في التعامل مع المخطئين والمذنبين: فعن أَبَي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» البخاري.

7/ إقالة العثرات: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ " أَيْ: غَفَرَ زَلَّته وَخَطِيئَته.

8/ السماحة في البيع والشراء والقضاء: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» البخاري. (سمحًا) جوادًا متساهلًا يوافق على ما طلب منه. (اقتضى) طلب الذي له على غيره.

9/ العدل والإحسان في المعاملات: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» مسلم.

10/ السماحة مع أهل الذمة المسالمين:" لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"( الممتحنة: 8)

11/ طلاقة الوجه واستقبال النّاس بالبشر: عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» مسلم

12/ ليس من السماحة عدم الغضب إذا انتهكت حرمات الله: فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» مسلم

رابعًا/ أقوال مأثورة:

1/ قال الإمام عليّ- رضي الله عنه-: «أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلّا ويده بيد الله يرفعه»

2/ قال الأصمعيّ معناه: "سهّل يسهّل لك وعليك"

3/ وقيل: «من عادة الكريم إذا قدر غفر وإذا رأى زلّة ستر»

4/ وقال الشّافعيّ- رحمه الله-: وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ... ودافع ولكن بالّتي هي أحسن)

خامسًا/ من فوائد (السماحة)

1- السّمح محبوب لدى أهله ومجتمعه.

2- السّماحة في البيع والشّراء باب عظيم من أبواب كسب الرّزق وتكثيره.

3- السّماحة تجلب التّيسير في الأمور كلّها.

4- بالسّماحة يغنم الإنسان أكبر قدر من السّعادة وهناءة العيش.

5- السّماحة في التّعامل مع أصحاب الدّيانات الأخرى تجلب لهم الطّمأنينة والأمن فيؤدّي ذلك إلى حبّهم للمتسامحين معهم ومعاونتهم ثمّ الدّخول في هذا الدّين.

أخيرًا/ هيا نختبر أنفسنا: حتى تقيس هذا الخُلق في نفسك، اختبر نفسك مع من ظلمك، واعتدى على حقك، وأخطأ عليك، اختبر نفسك مع ذي رحم لك قطعها، اختبر نفسك مع رجل لك عليه الحق وجفاك، هل تتصف معهم بالسماحة؟